ملخصات أبحاث

نـــــدوة

«مندور بعد أربعين عامًا على رحيله»

5: 7 يوليو 2005

 

 

 

بقاعة المؤتمرات بالمجلس الأعلى للثقافة

1 ش الجبلاية الأوبرا الجزيرة


 

المحتوى

-        أحمد سليم غانم «التثقيفى والتوجيهى والمعرفى «قراءة فى وظيفة الناقد لدى مندور»........

3

-        أحمد شمس الدين الحجاجى «محمد مندور  والفن المسرحى»................................

4

-        إسماعيل زين الدين «محمد مندور مثقفًا ليبراليا 1907 - 1965»...........................

6

-        إيمان السعيد جلال «الخطاب السياسى عند محمد مندور قراءة فى مقالاته الصحفية».......

7

-        جمال عبد المقصور «دكتور محمد مندور والمسرح»...........................................

9

-        جمال عبد الناصر/ربيع مفتاح «النقد المنهجى عند العرب «قراءة جديدة»...................

10

-        حسام عطا «دور الناقد بين المثقف المختص والمثقف العام»...................................

12

-        سامى سليمان أحمد «إشكاليات التنظير فى خطاب النقد المسرحى عند محمد مندور»........

13

-        سيد عشماوى «جدلية «السياسى» «الاجتماعى» فى فكر محمد مندور».......................

20

-        سيد محمود «محمد مندور بين يسار الوفد والحركة الشيوعية المصرية».....................

23

-        شعبان يوسف «العلاقة الجدلية بين محمد مندور وثورة يوليو وخلفيتها»...................

24

-        طارق شلبى «قراءة التراث النقدى عند الدكتور محمد مندور»...............................

26

-        عادل عوض «مفهوم الشعر عند محمد مندور»...............................................

30

-        عبد الرحمن أبو عوف «سمات المنهج النقدى عند محمد مندور».............................

32

-        عبد الرحمن حجازى «من التذوق الجمالى إلى الوعى الأيديولوجى»...........................

36

-        عزة بدر «إضاءة النص الأدبى «نماذج بشرية» لمحمد مندور نموذجًا».......................

38

-    عيد بلبع «المنهج والمنهجية عند مندور فى قراءة التراث النقدى قراءة فى كتاب النقد المنهجى عند العرب».......................................................................

 

39

-        فتحى العشرى «محمد مندور وفلسفة النقد»................................................

43

-        فتحى إمبابى «مندور بين الكلاسيكية وتهافت النقد المعاصر»...............................

45

-        فتحى عبد الفتاح «بطل إلياذة الديمقراطية فى مصر»........................................

47

-    ماهر شفيق فريد «فن الأدب بين الالتزام الاجتماعى والوظيفة الجمالية مساجلة محمد مندور ورشاد رشدى فى مطلع الستينيات»..................................................

 

52

-    محمد خليل نصر الله «محمد مندور وجهوده النقدية من خلال كتابه «النقد المنهجى عند العرب»....................................................................................

 

54

-        محمد عبد الحميد خليفة «نقد محمد مندور من الوجهة التكاملية».........................

56

-        محمد عبد المطلب «محمد مندور والنقد الثقافى».............................................

58

-        محمد مهدى غالى «البعد الثقافى فى الخطاب النقدى لمحمد مندور».........................

60

-        محمد نصر مهنا «محمد مندور والإسقاطات السياسية فى المسرحيات العالمية المترجمة».....

61

-        محمد يونس عبد العال «ملامح من جهود محمد مندور فى النقد المسرحى»..................

65

-        محمود مكى «بين محمد مندور ومحمود شاكر».............................................

70

-        مدحت الجيار «محمد مندور بين الشعر الخالص والشعر المهموس».........................

71

-        نبيل فرج «قراءة فى رسائل محمد مندور إلى طه حسين»....................................

72

 

 


 

التثقيفى والتوجيهى  والمعرفى

«قراءة فى وظيفة الناقد لدى مندور»

---------

أحمد سليم غانم

صح العزم ـ بداية ـ على المشاركة فى هذه الاحتفالية التى يقيمها المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة، تكريمًا للناقد المصرى الكبير محمد مندور من خلال محور واحد، ولكن ما إن تقادم بى الترحال فى نتاجه الأصيل والرصين فى آن، حتى آثرت أن تكون مشاركتى من خلال محورين.

يتمثل المحور الأول فى إنجاز ورقة عمل تحمل عنوان «التثقيفى والتوجيهى  والمعرفى قراءة فى وظيفة الناقد لدى مندور».

تعالج ورقة العمل محددًا إجرائيا فى الطرح النقدى لدى مندور، منطلقة من فرضية مؤداها تعدد مستويات وظيفة الناقد لديه، تبعًا لتعدد واختلاف المتلقى، وذلك بدءًا من الوظيفة التثقيفية التى تتقصد جمهور المثقفين وقراء الإبداع، ومرورًا بالوظيفة التوجيهية التى تتقصد المبدع، وتحاول إضاءة الطريق أمامه، وانتهاءً بالوظيفة المعرفية التى تتبنى إنتاج معرفة نقدية ذات مصطلحات ومفاهيم تنطلق من الإبداع، ولكنها تتقصد بناء نسق مصطلحى ومفهومى لدى النقاد.

وتتناول الورقة إجراء تحليل نصى للطرح النقدى لدى مندور، لتأصيل فرضية ممارسته وظائف النقد الثلاث على السواء، والتعرف على الدور الذى لعبته فى تكوين النسق النقدى لديه، من خلال تفحص واستقراء ينهض على ممارسات إجرائية نصية، تتركز حول تبين الملامح الإجرائية للوظائف الثلاث، ومدى تداخلها وتعالقها أو تباينها وتفاوتها على السواء.

وقبل التوغل فى اكتناه الوظائف الثلاث، والتوقف لدى كل منها بالاستشهاد والتحليل، سوف نعقد استهلالاً نتناول فيه ما شاع من تطور منحى مندور النقدى منذ مرحلة البدايات وحتى النهايات.

أما المحور الثانى، فهو شهادة أحاول من خلالها مقاربة الهم الثقافى الاجتماعى العربى لدى مندور.


 

محمد مندور  والفن المسرحى

---------

أحمد شمس الدين الحجاجى

يقف محمد مندور فى عالم النقد الأدبى بأنواعه معلمًا مهمًّا من أهم معالم الثقافة فى مصر والعالم العربى منذ عوذته من فرنسا سنة 1939حتى وفاته 1965، فهو لم يتوقف طوال هذه الفترة عن الكتابة فى الأدب ونقده والتعريف به، إضافة إلى كم هائل من الكتابات السياسية والاجتماعية التى زخرت بها صحف ومجلات هذه الفترة. كما لعب دورا مهمًّا فى تاريخ الحركة الوطنية والتمهيد لثورة سنة 1952، فكان قائدًا للطليعة الوفدية التى  كانت تمثل اليسار المصرى، واعتقل عدة مرات لمواقفه الثورية. وسط هذه الحركة الحية له كإنسان مناضل أدى دوره معلمًا للأجيال وأستاذا يعرفهم أصول النقل وقواعده والأنواع الأدبية وحدودها؛ فكان حلقة وصل بين جيل الرواد، العقاد وطه حسين والمازنى، وبين جيل ثورة 1952.

يعنى هذا البحث بدور مندور فى الحركة النقدية المسرحية التى لعب فيها دورا أساسيا بما يجعل منه خطوة متقدمة فى طريق تطور النقد المسرحى، وهو يعد بحق واحدا من أهم نقاد الحركة المسرحية منذ نشأتها حتى وفاته سنة 1965.

بالإضافة إلى أنه كان واحدا من أهم دعائم معهد الفنون المسرحية الذى أنشئ سنة 1944، وقام فيه بدور مهم فى تعليم طلابه نظريات المسرح فى وقت لم يكن فيه باحث واحد متمرس بالدراسة النظرية لهذا الفن، كما عمل أستاذا للنقد الأدبى والمسرحى فى معهد الدراسات العربية. وقيامه بدور المعلم لفن المسرح الذى يفسر لنا الكثير من الأعمال النقدية التى قام مندور بتقديمها لطلابه ولقرائه.

فلقد كانت أولى مقالات مندور بعد عودته مباشرة من فرنسا التى نشرها فى صحيفة الثقافة فى سبتمبر 1939 عنوانها «المسرح» وقدم بعدها دراسات جادة عن المسرح فى نفس الصحيفة: عن فيجارو وفاوست وهاملت ليضمها مع مقالات أخرى بعد ذلك فى كتابه «نماذج بشرية» الذى طبع سنة 1944.

ولم تتوقف كتابات مندور إلى أن لقى الله فى مايو سنة 1965. فقد نشرت جريدة روز اليوسف فى عددها الصادر 3 مايو سنة ه 196 مقالا بعنوان «بين القومى والعالمى» وفى عددها الصادر 24 مايو سنة 1965 أرسل لها قبل وفاته بأيام مقالة بعنوان «المثقفون وأزمات الضمير فى قراءة المسرح».

ولقد تكاثرت كتاباته عن المسرح فى الصحف والمجلات المصرية وجمع بعضها فى كتاب إبان حياته، وبعضها جمع بعد وفاته. ومازال الكثير منها لم يطبع.

ويمكن تقسيم كتابات مندور عن المسرح إلى ثلاثة أقسام:

الأول: الدراسة النظرية عن المسرح وتشمل

1.      الكلاسيكية والأصول الفنية للدراما (د.ت).

2.      الأدب ومذاهبه ـ سنة 1947.

3.      فى الأدب والنقد ـ سنة 1949.

4.      الأدب وفنونه فى أدبنا الحديث ـ سنة 1957.

والقسم الثانى: الدراسة التطبيقية عن المسرح النثرى

1.      المسرح النثرى ـ سنة 1956.

2.      مسرح توفيق الحكيم سنة 1960.

3.      المسرح المصرى المعاصر - مقالات جمعت ونشرت بعد وفاته سنة 1971.

القسم الثالث: دراسات تطبيقية فى المسرح الشعرى

1.      مسرح شوقى.

2.      مسرح عزيز أباظة.

وطبيعى أن هناك كتبا جمعت بين المقال النظرى والتطبيقى على المسرح النثرى والشعرى مثل كتاب «المسرح».

لقد أدى الرجل دوره كاملاً فى عصره، وكان أهم دور قام به بالذات فى عالم المسرح هو التعريف به، وكان أهم ناقد من نقاد المسرح منذ أن وطأت قدماه أرض مصر سنة 1939 حتى وفاته سنة 1965. إن وقفة أمام كتابات مندور النظرية عن المسرح تجعلنا لا نراه إلا فى موقف المعلم: فقد قام بدور هام فى التعريف بالمسرح، وخطا الخطوة الأولى لمعلم يهتم بتعليم طلابه أوليات المسرح، وسار على نفس الطريق الذى اتبعه محمد تيمور ولم يكمله، وهو خلق جمهور واعٍ بفن المسرح، يقدر المسرح ويسهم فى خلق حركة مسرحية ناجحة.


 

محمد مندور مثقفًا ليبراليا

1907 - 1965

---------

إسماعيل زين الدين

اكتسب محمد مندور شهرة واسعة فى الدوائر الثقافية المصرية والعربية، باعتباره ناقدًا أدبيا، وصاحب مدرسة فى النقد الأدبى القائم على البعد الاجتماعى، كان ـ ومازال ـ لها تلاميذها.

أما نشاطه فى المجال السياسى وتصوراته الاجتماعية والاقتصادية، فلم تحظ باهتمام خاص، وجاءت عرضًا عند التعريف بمندور ناقدًا أدبيا، مثل أطروحة المفكر المغربى محمد برادة للحصول على الدكتوراه من فرنسا والتى جاءت بعنوان (محمد مندور وتنظير النقد العربى).

وتأسيسًا على ذلك، فسوف نسلط الضوء فى هذا البحث حول نشأة محمد مندور وتكوينه العلمى والثقافى، ثم نشاطه السياسى خلال الفترة من عام 1944 إلى عام 1952 وبداية علاقته بحزب الوفد خلال هذه الفترة، والتى قسمتها إلى مرحلتين؛ الأولى: قبل ذهابه إلى فرنسا فى بعثة الجامعة المصرية عام 1930. والثانية: بعد عودته من البعثة عام 1939 دون حصوله على الدكتوراه لظروف عديدة، ثم عمله فى صحافة الوفد حتى رئاسته لتحرير صحيفة الوفد المصرى (فبراير 1945)، بعدها أصبح عضوًا بالهيئة الوفدية (9 أغسطس 1947). وهذه المرحلة شهدت بداية خلافة مع الجناح اليمينى داخل حزب الوفد لاختلاف الرؤى والتصورات بينهما حول مفهوم الإصلاح والعدالة الاجتماعية بوجه عام، مما ترتب عليه تخلى هذا الجناح اليمينى عن الوقوف بجانبه عندما قبض عليه مع غيره من الوطنيين فى أحداث يوليو 1946 المشهورة، بل حرض هذا الجناح أيضا، بعض الشباب الوفدى على الانفضاض من حوله، بل ومحاربته عندما رأوا فى قلمه خطرًا يهددهم ويهدد ثرواتهم وأوضاعهم الاجتماعية والسياسية.

على أية حال، سوف تتمحور الدراسة حول تصورات محمد مندور ورؤاه الاجتماعية والسياسية ومواقفه تجاه الرأسمالية بشقيها الوطنى والأجنبى ومشكلات العمال والفلاحين، وقضايا الإصلاح والديمقراطية السياسة، وكذا القضية الوطنية والسياسية الخارجية للدولة بوجه عام.


 

الخطاب السياسى عند محمد مندور

قراءة فى مقالاته الصحفية

---------

إيمان السعيد جلال

تقدم هذه الورقة قراءة فى خطاب محمد مندور السياسى، وتستمد مادتها من مجموعة من المقالات الصحفية المنشورة فى عدد من الصحف الوفدية، فى الفترة الممتدة من نهايات الحرب العالمية الثانية، وحتى قيام ثورة الجيش (1952). فتسلط الضوء على جانب مهم من حياة مندور مناضلاً وطنيا، ومفكرًا سياسيا، وعلمًا من أعلام كتاب المقال السياسى، وما حققه من إنجاز كبير فى السياسة والصحافة فى فترة من أصخب فترات الحركة الوطنية المصرية فى العصر الحديث.

وتحاول هذه الورقة أن تتبين نزوعه الإصلاحى من خلال العودة إلى خلفياته الاجتماعية: النشأة والتكوين الوطنى، ومشاهداته ثم مشاركاته الوطنية فى صباه، ثم توقفه عن المشاركة طيلة سنوات التكوين العلمى والثقافى، ثم انضمامه لحزب الوفد فى منتصف الأربعينيات، ودوره الصحفى النضالى فى صحف الوفد الثلاث التى رأس تحريرها (المصرى ـ الوفد المصرى ـ صوت الأمة) وكان يشغل فيها مكان الكاتب السياسى الأول، ونحا بها منحى تقدميا مختلفًا عن أيديولوجيات قيادات الوفد اليمينية التقليدية، عالج من خلاله قضايا الوطن برؤية لها خصوصيتها وتميزها.

كما تتناول دوره البارز فى تيار «الطليعة الوفدية» وهو تنظيم وفدى شاب تبنى فكرًا طليعيا ورؤية جديدة فى السياسة المصرية.

وتحاول هذه الورقة أن تقف على أفكار مندور وتوجهاته السياسية التى طرحها فى مقالاته الصحفية، واختلف فيها مع اليمين المتطرف، ومع اليسار، مبشرًا بصيغة جديدة أخذت شكل الديمقراطية الاجتماعية.

ثم نقوم بتصنيف القضايا التى عالجها فى مقالاته السياسية، فمنها ما يتصل مباشرة بالسياسة من حيث الهجوم على حكومات الأقلية التى لا تمثل الأمة، ولا تنهض بقضايا الوطن العليا، وتعتدى على حريات المواطنين، ومن حيث الربط بين قضية استغلال الوطن وجلاء قوات الاحتلال عن أراضيه من ناحية، واستغلال البلاد العربية، واستقلال السودان ووحدة وادى النيل، وقضية الحق العربى فى فلسطين من ناحية أخرى. ومن حيث رفض الصيغة الاستعمارية الجديدة الصاعدة فى أعقاب الحرب.


 

ومن حيث المطالبة بالديمقراطية وإطلاق الحريات واستقامة الحياة الحزبية، هذا الذى يجعل الأمة ـ بحق ـ مصدر السلطات، ويجعلها قادرة على تحريك قضايا الوطن المصرية.

وتعرض الورقة كذلك لامتداد خطاب مندور السياسى إلى بعض القضايا الاجتماعية التى جعل أساسها المشكلة الاقتصادية، وأرجعها إلى غيبة العدالة الاجتماعية فيما يخص توزيع وسائل الإنتاج وتوزيع الثروات، ومطالبته بتحديد الملكية الزراعية والعقارية والصناعية وكل وسائل الإنتاج، ووضع تشريعات للعمال والفلاحين، ووضع حد أدنى لأجورهم، وتنظيم وسائل التأمينات الاجتماعية، والأخذ بمبدأ التصاعد فى الضرائب، وتدخل الدولة لضمان عدالة التوزيع، وتحقيق التوازن بين الطبقات.

وفى هذا كله يربط مندور فى خطابه السياسى بين استقلال الوطن سياسيا واقتصاديا وتحقيق العدالة الاجتماعية.

إن تناول خطاب مندور السياسى يستمد أهميته مما تركه فى التربة المصرية من بذور فكر تقدمى طليعى فى مجال السياسة والاقتصاد والاجتماع على مدى ثمانى سنوات مهمة فى تاريخ الوطنية المصرية.

وهو مهم أيضًا فى تناول فكره النقدى التجديدى الذى لا يمكن معالجته بمعزل عن فكره الإصلاحى فى السياسة والاجتماع.


 

دكتور محمد مندور والمسرح

---------

جمال عبد المقصود

يقول دكتور محمد مندور فى كتابه المعروف «المسرح» طبعة نهضة مصر 1989 «والواقع أن المصريين القدماء كان لهم دين وكانت لهم أساطير وأن عنصر الدراما قد وجد فى تلك الأساطير، وبذلك وجد ما يصلح مضمونًا للفن المسرحى ولكن هل اتخذ ذلك المضمون صورة هذا الفن؟ وهل استطاع أن يتطور بحيث يتخلص من دائرة الدين الضيقة ويدلف إلى حياة الناس والمجتمع كما حدث عند الإغريق القدماء الذين أخذ منهم العالم الأوروبى الحديث صور هذا الفن وأصوله؟»

ذلك ما نشك فيه أكبر الشك. فأسطورة «إيزيس وأوزوريس» وغيرها من الأساطير يمكن أن تقص وترتل فى المعابد ويتناوب قصها وترتيلها نفر من الكهان فى دور العبادة المغلقة كما كان يحدث عند المصريين القدماء دون أن يتخذ ذلك صورة المسرحية التى ظهرت عند اليونان» ص 10.

وفى صفحة 11 يقول: «... ولذلك لا يكفى أن نعلم أن المصريين القدماء قد كانت لهم أسطورة أو أساطير دراماتيكية لنستنتج أنهم قد عرفوا فن المسرح».

البحث يتناول موقف الناقد الكبير دكتور محمد مندور من نشأة المسرح فى مصر بل وفى العالم بأسره استنادًا إلى أهمية الموضوع وتعارض الآراء فيه، وثقل وأهمية الناقد وإسهامه المعروف فى النقد المسرحى فى مصر.


 

«النقد المنهجى عند العرب» قراءة جديدة

---------

جمال عبد الناصر/ ربيع مفتاح

عندما أصدر كتابه المهم «النقد المنهجى عند العرب» (رسالة الدكتوراه 1948) ربما قصر د. محمد مندور أن النقد العربى فى القرن الرابع الهجرى كانت له أصوله وقواعده، كما كانت له تنويعاته وفروعه المختلفة. ورغم أنه أفاد كثيرًا من ثقافته اليونانية كناقد فذ فقد اعتمد د. مندور على الناقدين الكبيرين أبى القاسم الحسن بن بشر بن يحيى الآمدى (371 هـ) صاحب كتاب «الموازنة بين الطائفتين» والقاضى أبى الحسن على بن عبد العزيز بن الحسن بن إسماعيل الجرجانى (392 هـ)، صاحب كتاب «الوساطة بين المتنبى وخصومه» غير أن شيخ النقاد الجدد ـ كما اُصطلح على تسميته كانت له نظرته التقدمية الاستشرافية، بمعنى أنه قصد أن يتناول التراث النقدى القديم بعقل حديث عبر رؤية تحاول استشراف آفاق النقد الجديدة التى تتمخض عنها الحقب الزمانية المتلاحقة.

ومن ثم كان موضوع هذه القراءة الجديدة لواحد من أهم آثار ذلك الناقد الكبير ، ويعنى به «النقد المنهجى عند العرب» موضوع القراءة يطرح عددًا من التساؤلات التى تبلور الإجابات عنها المضمون الذى تنطوى عليه من بين هذه التساؤلات: «هل المعايير النقدية التى وضعها د. مندور لإثبات منهجية البحث عند العرب الأوائل لم تزل قائمة، أم لفحتها رياح التغيير؟» و «إن كان ثمة تغيير قد حدث فما أبعاده؟ وما اتجاهاته؟» و «هل سيطرت أيديولوجية معينة على قراءة د. مندور فجعلته يعلى من شأن بعض المعايير، ويحط من شأن بعضها الآخر؟».

غير أن هذه التساؤلات لا يجب أن تشى بأن كتاب د. مندور قد فقد بعضًا من قيمته النقدية بمرور الزمن، أو تواتر مجموعة من المتغيرات فى الفكر النقدى الحديث. فلقد دلل الكتاب على مدى استيعابه لقراءات عديدة ومتنوعة، وعلى ثرائه وبقائه، وهكذا دومًا شأن الآثار النقدية الكبرى!

لقد توصل د. مندور بعد البحث والدراسة والمقارنة والتحليل ـ وهذان الأخيران من أهم الأدوات النقدية الحديثة ـ توصل إلى قناعة أن النقد قد أصبح نقدًا منهجيا فى القرن الرابع (الهجرى) فقط عند الآمدى والجرجانى، وهذا ما راح يعلله بتبيان المنهج المستقيم والروح العلمية فى التوصل إلى الأحكام، وفقًا لممارسات النقاد العرب فى ذلك العصر.

إن مثل هذه المنهجية العلمية التى اتسمت بالقياس والتنظير والتطبيق تغرينا بإعادة طرح التساؤلات السابقة، لمحاولة الإجابة عنها، بغية الوصول إلى قراءة مغايرة، أو إعادة إنتاج لبعض المفاهيم النقدية. على سبيل المثال ـ لا الحصر ـ هل النقاد قضاة للمبدعين؟ لقد وصف د. مندور الجرجانى قائلاً: «الجرجانى إذن قاض، عالم فى روحه وأسلوبه، وأهم من ذلك أنه قاض فى منهجه النقدى، وتلك مسألة لابد من تفصيلها لأنها تميزه عن غيره من النقاد».

إن هذه القراءة الجديدة تحاول اختبار مثل هذه المفاهيم، ومن ثم تسعى إلى إعادة النظر فى ممارسات النقد التطبيقى المرتبطة بها.


 

دور الناقد بين المثقف المختص والمثقف العام

---------

حسام عطا

إن دور الناقد عند محمد مندور ـ كنموذج لجيل اهتم بالنقد الموسوعى وجعل من دور الناقد دورًا هامًا يتجاوز حدود الاختصاص ـ لهو دور جديد على الممارسة النقدية آنذاك.

ودور مندور كناقد لا ينفصل عن ممارساته العامة ولا عن سلوكه الشخصى وحبه للحياة، منذ أن اختضن الحياة فى باريس وأخذ ينهل معرفة بالحق والخير والجمال متصعلكًا عظيمًا مهملاً أطروحته للدكتوراه والتى اضطر إلى استكمالها فى جامعة القاهرة، لكنه عاد بحصيلة ثرية من التجربة الإنسانية والثقافة العامة والخاصة. إنه سلوك واحد لا ينفصل، سلوك من يرغب فى النفاذ لجوهر الأشياء.

كان مندور يؤسس لفكرة أن النقد بمعناه العام هو جزء من الآداء الثقافى الذى يهدف لتعديل المعوج ولتجميل القبيح فى الحياة ولدفع الإنسان نحو الأرقى والأنفع.

وبناء عليه فمندور أدلى بدلوه فى النقد القصصى والمسرحى والشعرى، ويضم للمعرفة بالتراث النقدى العربى الوعى بالمناهج النقدية الغربية فى أصولها المعرفية.

ولكنه لا يحصر تلك المعرفة فى التفاعل الثقافى الإيجابى مع الإبداع فقط، ولكنه يسحبها للتفاعل مع الحياة لينقدها ويحللها ويطالب بتحسينها، إنه يحدد موقعه كمفكر على يسار السلطة والمجتمع معًا محددًا دور الناقد والفنان المثقف، وهو دور يقع موقعه على أول التقديرات وأكثرها قدرة على التواؤم فى موقع المراقب لأحوال الناس والحكومات الأفراد والمجتمعات.

ذلك الموقع وذلك الدور المهم الذى ينبغى على السلطة ذاتها أن تدافع عن وجوده، وأن تحمى استقلال الفنان / الناقد / المثقف من أجل تقدم المجتمعات.

فالمجتمع الذى يقبع الاختصاصيون فيه خلف أبوابهم المغلقة مجتمع محكوم عليه بالسكون الدائم قرين الموت.

إن الناقد الكبير د. محمد مندور اتصل بالفكر وعمل بالسياسة عبر دوره كمثقف، والدراسة تتعرض لدوره المهم الذى يتجاوز التخصص الدقيق نحو فكرة المثقف العام.


 

إشكاليات التنظير

فى خطاب النقد المسرحى عند محمد مندور

---------

سامى سليمان

تسعى هذه الدراسة إلى تحليل طبيعة التنظير فى نقد محمد مندور المسرحى من منظور قرائى يضع تنظير مندور فى بؤرة مركزية تتكشف فيها، من ناحية، مكونات ذلك التنظير ومستوييه السطحى والعميق، وتتجلى، من ناحية ثانية، الظواهر المتصلة بذلك التنظير، وهى الظواهر الكامنة فى علاقة ذلك التنظير بالممارسة الإبداعية المصاحبة له، من جانب، وعلاقته، من جانب ثان، بالنظريات الأوروبية التى كانت ـ ولا تزال ـ تمثل للناقد العربى الحديث والمعاصر إطاره المرجعى الأساسى، وصلته، من جانب ثالث، بالتراث النقدى العربى السابق عليه، ورابطته بالأيديولوجيا المصاحبة له من جانب رابع. ويكشف ذلك الوضع عن أنماط من التفاعلات والتعارضات بين التنظير من ناحية، والظواهر المتصلة به من ناحية أخرى، وذلك ما يفضى ـ فيما نرى ـ إلى تجلية هوية التنظير فى خطاب النقد المسرحى ـ وربما فى الخطاب النقدى ـ عند محمد مندور.                      

بدأ عمل مندور يتصل بمجال النقد المسرحى قرب نهاية النصف الثانى من الأربعينيات، وذلك حين أخذ يعمل بالتدريس فى «معهد التمثيل»، ولكنه لم يكن متصلا اتصالا مباشرا بالحركة المسرحية المعاصرة له آنذاك، بدليل أن كتابه «فى الأدب والنقد» الصادر عام 1949 (والذى يعد صورة من محاضراته التى كان يلقيها فى معهد التمثيل) لا يتضمن أية إشارة إلى نصوص أو كتاب أو ظواهر مسرحية مصرية أو عربية.وأخذ مندور يتجه بقوة ،قرب نهاية النصف الأول من الخمسينيات، نحو مجال النقد المسرحى، وذلك ما تجلى فى مسارين،يتصل أولهما بدراساته لعدد من الكتاب الذين كانت المؤسسة النقدية تنظر إلى كتاباتهم بوصفها إبداعات داخلة تحت مسمى «الأدب المسرحى»العربى، ولهذا قدم مندور كتابه الأول ـ عبر هذا المسار ـ عام 1954، عن «مسرحيات شوقى»، وتلاه بكتابه عن «محاضرات عن مسرح عزيز أباظة» عام 1958، ثم كتابه عن «مسرح توفيق الحكيم» عام 1960، وكان يوازى كتابات هذا المسار كتابان قدم فيهما مندور نمطا من أنماط التأريخ للمسرح فى الأدب العربى وهما: «المسرح النثرى» الصادر عام 1956، و «المسرح» الصادر عام 1960. وأما المسار الثانى المتصل ،بقوة،بعمل مندور فى النقد المسرحى فهو المسار الذى قدم فيه مندور متابعاته للحركة المسرحية المصرية منذ منتصف الخمسينيات وحتى وفاته فى التاسع عشر من مايو عام 1965. وتتبدى لمندور ،فى هذا المسار،إسهامات غزيرة تشهد بها الدوريات المصرية (1956 ـ 1965)، ولم تكن كتابات مندور، فى الفترة ذاتها، عن اتجاهات المسرح العالمى وكتابه ونصوصه غير وسيلة مؤكدة لدوره فى الإسهام فى توجيه الحركة المسرحية المصرية توجيها دعم من فاعليته مشاركة مندور فى كثير من الندوات والبرامج الإذاعية وفى عضوية لجان القراءة ببعض المسارح ،فضلا عن إشرافه واشتراكه فى مناقشة عدد كبير من الرسائل الأكاديمية حول موضوعات المسرح العربى وقضاياه.

إن دارس خطاب النقد المسرحى عند مندور يلحظ أن إشكال التنظير كان واحدا من الإشكالات التى اهتم بها مندور،كما يلحظ أنه كان على وعى «شديد» بأهميته وبالدور الذى يؤديه ـ ذلك التنظير فى توجيه الحركة المسرحية المصرية ـ منذ منتصف الخمسينيات،ويتجلى ذلك الوعى ،أول ما يتجلى،فى سعى مندور إلى تأطير العناصر الثابتة والعناصر المتغيرة فيما يسمى «المسرح»،سواء تناول مندور مهمة المسرح أو حلل ماهيته.

وإذا كان منطلق تنظير مندور للمسرح يتأسس على تلك الرابطة التى تربطه بالمجتمع أو بالحياة
ـ وكلاهما أساسان كان يلح خطابه على كونهما المصدر الأساسى للفن وللأدب ـ فإن من اللافت أن مندور ـ فى بحثه عن العناصر الثابتة والعناصر المتغيرة فى المسرح  ـ كان يفرق تفرقة «واضحة» بين الماهية والمهمة؛إذ كان يرى أن الماهية أقرب ما تكون إلى الثبات أما المهام التى يؤديها المسرح فهى متغيرة بتغير المجتمعات الإنسانية (ولهذه التفرقة أهميتها فى الدلالة على نمط التنظير عند مندور كما سنشير فيما بعد)، ولهذا حد مندور المسرح بأنه (صياغة فنية لتجربة بشرية) (1) ولكن لما كان ذلك الحد هو ذات الحد الذى قدمه مندور للأدب وفنونه المختلفة فإنه بتحليله للعناصر الجمالية التى تكون المسرح وتميزه
ـ فى الآن نفسه عن الأنواع الأدبية الأخرى ـ قد سعى إلى بيان الماهية الجمالية له، وهى ماهية تنهض لديه على مقومين أساسيين هما الشكل والمضمون اللذان ينحلان ـ فى خطاب مندور ـ  إلى مجموعة من العناصر الجزئية المتعددة التى حددها مندور بأنها القصة والتجربة والهدف والشخصيات والحوار والصراع، بينما يبدو عنصر البناء الدرامى فى خطابه أقرب إلى أن يكون مقابلا دلاليا للشكل (2). وإذا كان مندور يقدم ـ كغيره من النقاد الاجتماعيين فى الخمسينيات والستينيات ـ المضمون على الشكل ،فإن من اللافت أنه قد أولى تحليل عناصر الشكل عنايته، ورغم ما يشى به نتاج مندور من اهتمام بالصراع بوصفه أساس المسرحية أو أساس الشكل فى المسرحية فإن من اللافت أن مندور ـ رغم ربطه بين الصراع والحركة اعتمادا على الأصل اللغوى الإغريقى لكلمة الدراما ـ كان مترددا بشأن أسبقية واحد منهما على الآخر؛ فأحيانا عد الصراع هو الذى يولد الحركة، وأحيانا أخرى رأى أن الصراع وظيفته (توليد الحركة الدرامية على المسرح سواء أكانت حركة خارجية بين الشخصيات أم حركة داخلية تجرى داخل النفوس)(3)، ويبدو أن هذه المقولة الثانية كانت هى الأكثر دلالة على توجهات مندور بدليل ما رآه ـ  فى سياق آخر ـ من أن افتقاد عدد من الأشكال المسرحية المعاصرة، كالمسرح الملحمى ومسرح اللامعقول، للصراع بمعناه التقليدى قد تم تعويضه بتصوير (أحداث تولد الحركة الدرامية على خشبة المسرح وإلا انتفت عن المسرحية صفتها الأساسية باعتبارها أولا وقبل كل شىء فنا حركيا تعتبر الأحداث فيه الوسيلة الأولى للتعبير والإيحاء) (4). ورأى مندور أن الصراع  ينبغى أن يقوم على عدة مقومات أهمها: إنسانية طرفيه، والحفاظ على التوازن بين طرفيه، والحفاظ على وجود الفكرة أو المعنى أو الجوانب الاجتماعية التى تمتزج بهذا الصراع (5)... ومن الدال أن اهتمام مندور بتناول الصراع ـ بوصفه العنصر الأساسى فى الأشكال المسرحية ـ قد وازاه اهتمامه بتناول الحدث والبحث عن الخصائص التى تميزه، ورغم هذا لم يقدم مندور تعريفا للحدث (6) وانصب تركيزه، فى التناول النقدى له، على تناول السمات أو الخصائص التى ينبغى تحققها فيه، ومن هنا نفهم إلحاح مندور على ضرورة أن يتصف الحدث بصفتى السببية والوحدة،وإذا كان مندور قد وصف السببية بأنها تعنى أن (لكل حركة مقدماتها وبواعثها)(7)، فإنه قد برر الحاجة إليها استنادا إلى واحد من المبادئ الأساسية فى خطابه النقدى، وهو مبدأ علاقة المسرح / الأدب / الفن بالحياة (باعتبار أن الحياة والطبيعة كلها خاضعة لقانون السببية العام المطلق، فلابد لكل نتيجة من مقدمة ولابد لكل سبب من مسبب، ولابد لكل تصرف من باعث، ولما كان المسرح مرآة أو مجهرا للحياة فلابد من أن ينعكس فيه هو الآخر قانون السببية المسيطر على الحياة كلها)(8). أما وحدة الحدث فقد حددها مندور بضرورة (قيام المسرحية على بناء هندسى موحد لا يتسع لمشاهد غريبة عن موضوعها أو شخصيات مقحمة عليها يمكن حذفها دون أن تتأثر المسرحية)(9). ولما كان مندور قد قرن بين تلك الوحدة وبين سريان هدف واحد فى المسرحية، فإنه أيضا لم يرفض تعدد الأحداث فى المسرحية الواحدة بشرط أن يقتدر الكاتب على الربط بينها ربطا لا يخل بوحدة الأثر النفسى الذى يبغى الكاتب إحداثه فى المتلقين، وفى هذا كان مندور ينقل مفهوم «وحدة الأثر العام» للمسرحية كما نادى به «فيكتور هيجو» وإن جعله مندور أصلا من الأصول الدرامية التى لا يستطيع الكاتب المسرحى خرقها أو الخروج عليها (10).

وجعل مندور من الشخصيات العنصر التالى ـ من حيث الأهمية ـ  للحدث أو الصراع فى عناصر الشكل، وأسس منظوره إلى الشخصية المسرحية على أساس مبدأ المشاكلة الذى يؤكد عمق الصلة التى تربط الأدب / المسرح /الفن بالحياة، ولذا ربط مقولته عن ضرورة رسم الأبعاد الثلاثة ـ الخارجية والداخلية أو النفسية والاجتماعية ـ للشخصيات الرئيسية بذلك المبدأ مما جعله يؤكد أن إقناع المتلقى بتلك الشخصيات إنما يستند إلى قدرة الكاتب على (الإيهام بأنها شخصيات حية بفضل مشاكلتها لواقع الحياة فتصبح شخصيات مقنعة) (11).

وجعل مندور من الحوار المقوم اللغوى الأساسى الذى تقوم عليه المسرحية، ورأى أنه يجب أن يتصف بالموضوعية، وحدد له وظيفتين هما: تحريك الأحداث داخل المسرحية، وتصوير الشخصيات.

مثلت تنظيرات مندور للماهية الجمالية للمسرحية وما تشتمل عليه من عناصر جزئية الأسس "الجمالية" التى كان يحتكم إليها فى نقده التطبيقى، كما كانت ـ فى مسار خطابه ـ أقرب ما تكون إلى الثوابت التى كان مندور ينظر فى ضوئها إلى كل ما يستجد فى تقنيات الكتابة المسرحية وطرائقها واتجاهاتها (وذلك دال من الدوال التى سنتوقف عندها لاحقا).

وفى مقابل الماهية «الثابتة» كان خطاب مندور يجعل من المهام التى يؤديها المسرح مهامًا متغيرة بتغير المجتمعات الإنسانية والفترات التاريخية، مما يعنى أن المهام التى كان مندور يقدمها منطلقا لنقده الإنتاج المسرحى المصرى المعاصر له تمثل كشفا ـ من ناحية ـ عن رؤية مندور للمتغير فى المسرح، كما تعد ـ من ناحية أخرى ـ تحقيقا لمبدأ التوجيه الذى جعل منه مندور، ولاسيما فى مرحلة النقد الأيديولوجى، واحدا من المهام التى يقوم بها الناقد فى علاقته بالجمهور وبمبدعى الأعمال الأدبية. وقد قدم مندور عددا من الصيغ النقدية التى تؤطر المهام الاجتماعية التى يقوم بها المسرح ومنها «الأدب الهادف» و«الأدب الملتزم» و «المسرح الهادف». وقد أسس مندور صيغه تلك على تمييزه بين الواقعية الاشتراكية والواقعية النقدية. فحدد الواقعية النقدية بأنها (نظرة خاصة إلى الحياة .نظرة متشائمة لاتؤمن بالشرف أو المثالية، وترى أن الشر هو الغالب على الحياة. وهى على هذا الوضع مذهب محزن. «.........». وهذه الواقعية تشق الحجب عن حقيقة الحياة، ولكنها لا تبذل جهدا لتغييرها أو تحطيمها، أو إصلاح  فاسدها،لأنها ليست دعوة بل فن كاشف ومجابهة للواقع الدفين مهما يكن مؤلما)(12). وإذا كانت الواقعية الاشتراكية عند مندور تلتقى مع الواقعية النقدية فى كونها «تكشف عن حقيقة الواقع» فإن اختلافها يتمثل فى أنها (أدب هادف إلى تغليب عامل الخير والثقة بالإنسان وقدرته، «......» وإنها وإن كانت تتخذ مضمونها من حياة الشعب إلا أن روحها روح متفائلة تؤمن بإيجابية الإنسان وقدرته على أن يأتى بالخير، وأن يضحى فى سبيله بكل شىء فى غير يأس ولا تشاؤم ولا مرارة مسرفة) (13) .ولم تكن صيغ «الأدب الهادف» و «الأدب الملتزم» و «المسرح الهادف» سوى صيغ نقدية قائمة على أساس الاستمداد من الواقعية الاشتراكية لاسيما من رآه مندور من دعوتها إلى «النظر إلى الحياة نظرة متفائلة ونظرة بناء لا هدم»، ولم يرفض مندور أن تكون تلك الواقعية الاشتراكية نقدية بشرط ألا يؤدى ذلك النقد إلى اليأس أو القنوط  أو التشاؤم، بل إنه أخذ من الوجودية بعض عناصرها ـ كدعوتها إلى التحرر من القيم المتوارثة البالية ـ وضمها إلى صيغه تلك.

ومن البين أن تلك الصيغ «التوجيهية» التى قدمها مندور كان نمطا من التنظير القائم على "التوفيق" بين عناصر متعددة تعود إلى أصول نقدية وفلسفية مختلفة.

التنظير هو صياغة تصورات عامة وشاملة تكشف عن هوية الموضوع أو المجال المعرفى أو الجمالى الذى يدور حوله فعل التنظير. إن العمومية التى ينطوى عليها التنظير لا تمثل سوى بعد واحد من بعديه الأساسيين، أما بعده الثانى فهو كونه نمطا من أنماط «التأطير العقلى» لممارسات اجتماعية متزامنة له وسابقة عليه فى الآن نفسه.

إن وضع تنظيرات مندور فى إطار الظواهر التى تتقاطع معها كاشف عن أنماط من التفاعلات والتجاوبات من ناحية، ومفض، من ناحية ثانية،إلى بيان عدد من التعارضات التى تتجلى فى العلاقة بين هذه التنظيرات وتلك الظواهر. وفى المستوى الأول يكشف النظر إلى تلك التنظيرات فى علاقتها بالممارسات المسرحية المصرية التى كانت ـ تلك التنظيرات موازية لها ـ  عن علاقة ذات بعدين يشير أولها إلى أن تنظيرات مندور كانت تنظيرات توجيهية أسهمت بفعالية فى توجيه تلك الممارسات بحكم موقع مندور فى المؤسسة النقدية وبحكم تتلمذ عدد كبير من كتاب الخمسينيات والستينيات على كتاباته. فى حين يكشف البعد الثانى عن أن هذه التنظيرات قد مثلت موانع جعلت مناظير مندور النقدية ـ فى تعامله مع التجارب الجديدة أو مع المحاولات التى سعت إلى الخروج على الأنساق الكتابية والتأليفية المستقرة ـ مناظير يغلب عليها ـ فى كثير من الأحيان ـ الجمود والاختزال والتبسيط ( وللتدليل على ذلك يمكن مراجعة كتاباته حول مسرح العبث وتجلياته فى المسرح المصرى فى السيتنيات). وأما من حيث علاقتها بالممارسة المسرحية والنقدية المصرية السابقة عليها؛ فمن اللافت أن منظور مندور ـ وكثير من نقاد المسرح والأنواع الأدبية الحديثة من المعاصرين له ـ كان يقوم على تقليص تاريخ المسرح المصرى فى عدد من الكتابات التى قد تكون بارزة ـ ككتابات شوقى وتوفيق الحكيم ـ لكنها لا تمثل تاريخ المسرح المصرى فى شموليته، ولعل ما يلحظ من رفض مندور وكثير من النقاد المصريين المعاصرين معظم تاريخ المسرح المصرى  ـ فيما عدا عدد من  النماذج  المستثناة ـ السابقة على مرحلة الخمسينيات وما بعدها  ـ يكشف غياب التاريخ الشامل للمسرح المصرى ـ سواء أكان تاريخا جماليا يرصد الأشكال المسرحية المختلفة وعناصرها التكوينية وتحولاتها ،أم تاريخا اجتماعيا يعيد رسم خريطة الأشكال المسرحية فى علاقتها بالتحولات الاجتماعية ـ  ولعل هذا ما يفسر العلاقة بين تنظيرات مندور ونظريات المسرح الأوروبى ؛إذ يبدو مندور ـ ككثير من النقاد المعاصرين له والتاليين له على السواء ـ حاصرا اجتهاده التنظيرى فى الإفادة من عدد من النظريات الأوروبية إفادة تأخذ صيغة الجمع بين نظريات قد لا تلتقى أو قد لا تأتلف بعمق.

وأما فى المستوى الثانى وهو الذى تتصل فيه تلك التنظيرات بالأيديولوجيا المصاحبة للنشاط التنظيرى الذى مارسه مندور؛ فيتكشف لدارس خطاب مندور النقدى أن إلحاح مندور على إبراز المهام المختلفة التى يمكن أن يقوم بها المسرح فى المجتمع المصرى ناتج عن منظور يجعل من المسرح أداة من أدوات صياغة أيديولوجيا الفئات الصغيرة من الطبقة الوسطى المصرية فى مرحلتى الخمسينيات والسينيات، ولما كانت تلك الأيديولوجيا تستهدف تغيير الواقع المصرى طبقا لرؤية صناعها من المثقفين، فقد كان التنظير لمهام المسرح عملا كاشفا عن التداخل بين المسرح والأيديولوجيا (14). ولكن العقبة الكأداء التى حالت بين هذا التنظير وإنجاز «نظرية» نقدية تتمثل فى افتقاد الناقد /المنظر مناخ الحرية «الحقيقية» التى تمثل ـ فيما نرى ـ الشرط الاجتماعى الجوهرى لإنجاز تنظير نقدى يقتدر على استكناه موضوعه بعمق مع قدرته ـ فى الآن نفسه ـ على أن يتجاوز لحظته الآنية ليصبح مكونا فعالا من مكونات الرصيد النظرى المصرى/العربى.

لعل النظر إلى  تنظيرات مندور فى ضوء صلاتها بالظواهر المتصلة بها أن يكون قد كشف عن تلك التوترات المتزامنة التى حكمت العلاقات بينهما.

الهوامش

(1)   محمد مندور :الأدب وفنونه، طبعة نهضة مصر، دون تاريخ، ص73.

(2)   انظر :الأدب وفنونه، ص ـ ص 108 ـ 122.

(3)   الأصول الدرامية وتطورها (1)، مجلة المسرح عدد يوليو 1964، ص10.

(4)   الأدب وفنونه، ص 107.

(5)   مسرح توفيق الحكيم، طبعة نهضة مصر، دون تاريخ، ص116.

(6)   انظر تناوله للحدث فى "الأدب وفنونه"، ص ـ ص 108 ـ 112.

(7)   الأصول الدرامية وتطورها، ص10.

(8)   الأصول الدرامية وتطورها، ص10.

(9)   الأصول الدرامية وتطورها، ص11.

(10) يتجلى هذا فى مواضع مختلفة من نتاج مندور النقدى، انظر، على سبيل المثال،الكلاسيكية والأصول الفنية للدراما، طبعة نهضة مصر، دون تاريخ، ص 24، 28، 29.

(11) الأدب وفنونه، ص99.

(12) محمد مندور: جولة فى العالم الاشتراكى، منشورات البعث الجديد، القاهرة 1957، ص ـ ص 86 ـ 87، وانظر أيضا كتابه: الأدب ومذاهبه، طبعة نهضة مصر، دون تاريخ، صفحات: 89، 91 ـ 93، 98 حيث تتكرر الأفكار ذاتها.

(13) جولة فى العالم الاشتراكى، ص96، وانظر أيضا: الأدب ومذاهبه، صفحات:90، 92، 93، 94، 95، 99 ـ 105.

(14) لمزيد من التفصيل عن العلاقة بين النقد و الأيديولوجيا عند مندور وغيره من نقاد الاتجاه الاجتماعى فى النقد المسرحى المصرى، انظر: سامى سليمان أحمد: الخطاب النقدى والأيديولوجيا: دراسة للنقد المسرحى عند نقاد الاتجاه الاجتماعى فى مصر 1945 ـ 1967، طبعة قباء للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة 2002،ص ـ ص 312 ـ 394.


 

جدلية «السياسى» ـ «الاجتماعى» فى فكر محمد مندور

قراءة تاريخية للجناح اليسارى فى الوفد «الطليعة الوفدية»

---------

سيد عشماوى

عندما ناقشت رسالتى للدكتوراه عن تاريخ الفكر السياسى المصرى 1945-1952 فى منتصف سبعينيات القرن الماضى، وعلى وجه التحديد عام 1978، كانت من ضمن صفحات الرسالة أوراق طوال حول طبيعة التناقض فى بنية الوفد الداخلية بين ما اعتبرته جناحًا يمينيا «سياسة الضحك على الذقون» وما اعتبرته جناحًا يساريا «الطليعة الوفدية»، وهى صفحات أثارت آنذاك من جدل المناقشة ما له معنى ودلالة ومغزى، فى فترة شهدت الإرهاصات لعودة حزب الوفد الجديد تحت قيادة فؤاد سراج الدين آنذاك.

هذا التيار الجارف «الوفد» والذى كان يتجاوز المفهوم التقليدى للحزب باعتباره، على حد قول بعض زعماء الوفد، زعامة أمة، شق طريقه كتيار جارف وسط زخم الحياة السياسية بعد ثورة 1919، وكانت قواعده تتفتح على الحركة الشعبية وما يطفو عليها من اتجاهات وأفكار واستطاع الوفد أن يخلق جبهة وطنية متحدة تعدت حدود الديانة والوطنية وأصبح على حد تعبير سلامة موسى «هو الهيئة الديمقراطية الشعبية فى مصر».

ولما كان الوفد أشبه ما يكون بجبهة وطنية تحركت فى إطاره القوى السياسية الملتزمة بمبادئه العامة، وكان من الطبيعى وبصفة خاصة فى ظل ظروف ما بعد الحرب العالمية الثانية أن تتبلور بعض الاتجاهات داخله، حاولت بقدر ما استطاعت الضغط على الجناح اليمينى للوفد ودفعه إلى اتجاهات أكثر تقدمية واستنارة تتلاءم مع مستجدات ما بعد 1945، هكذا تبلور يسار الوفد فى ثوبه الجديد الذى فصل المقال وقرر ما بين «السياسى» و «الاجتماعى» من اتصال، أو بعنى أصح ربط بين قضية الاستقلال القومى الوطنى وبين قضية العدالة الاجتماعية، فى الفكر أو فى الممارسة، لا يمكن أن يتأتى ذلك إلا من خلال الدعوة إلى الاستقلال التام، بالعمل على إجلاء الإنجليز من البلاد ورفض التعاون مع القوات البريطانية وتشديد العقوبة على الخونة الذين يتعاملون معهم خاصة فى فترة إعلان الكفاح المسلح (1951)، ورفض مشاريع الدفاع المشترك واشتراك الجيش المصرى فى الحرب الكورية بجانب الولايات المتحدة وبريطانيا، ورفض المشاريع الاستعمارية الجديدة «النقطة الرابعة»، مثل هذه الأمور تسير جنبًا إلى جنب ترسيخ مبادئ الدستور (1923) والدفاع عنه خاصة فى قضايا الحريات العامة، على نحو ما حدث عند مناقشة قانون الإجراءات الجنائية الخاصة بجرائم النشر وتشريعات الصحافة وقانون المشبوهين السياسيين، وقانون استغلال القضاء «معركة مجلس الدولة».

مثل هذه الأمور ذات الطابع السياسى لابد من أن يواكبها اهتمام متزايد بالجوانب الاجتماعية، خاصة وأن المشكلة الاجتماعية فى مختلف صورها قد زادت حدتها، بعد الحرب العالمية الثانية: المسألة الفلاحية والزراعية، الحركة العمالية، الغلاء، نفقات المعيشة، الأسعار، الضرائب والرسوم الجمركية، الفساد الإدارى، إصلاح أداة الحكم، العملة وارتباطها بالإسترلينى، التصنيع، الدعوة إلى التمصير خاصة للشركات الأجنبية، شركة حديد الدلتا المصرية، شركة ترام القاهرة، شركة مياه القاهرة، الدعوة إلى منع تملك الأجانب للأراضى المصرية، مجانية التعليم، الضمان الاجتماعى، سوء توزيع الثروة والدخل... إلخ إلخ.

فى هذا المجال يقف محمد مندور فى الصف الأول، كمنظر فكرى وكاتب صاحب رسالة بعد أن انطلق من تقوقع «الجامعة» وانفتح على المجتمع بعقلانية واستنارة، فكريا وعمليا، ويكفى هنا أن نشير إلى كتاباته ومقالاته المتعددة فى الصحف والمجلات: الرسالة، الثقافة، المصرى، الوفد المصرى، البعث، صوت الأمة، رابطة الشباب، ونزوله مع غيره إلى الشارع لتوعية القوى الفقيرة وتعبئتها من عمال وفلاحين وطلاب «حدث خطير ـ اتصال المثقفين بالعمال» وكان دوره الرائد فى برلمان 1950، فى المعركة الانتخابية التى كسبها أو مناقشاته التى كشفت عنها مضابط مجلس النواب الأمر الذى أثرى الحياة السياسية فى مصر آنذاك.

الأمر الملفت للانتباه أن محمد مندور منذ أوائل الأربعينيات وتأثرًا بالأفكار التقدمية خاصة للأحزاب الاشتراكية والشيوعية الأوروبية مثل حزب العمال البريطانى والحزب الاشتراكى، قد دعا منذ فترة مبكرة إلى ضرورة تدخل الدولة والأخذ بمبادئ الاقتصاد الموجه، أى تدخل الدولة فى الإنتاج عن طريق التشريعات عن طريق إنصاف العامل من الرأسمالى والمستهلك من المنتج والجاهل من المتعلم والمريض من الصحيح انظر رعاك الله إلى مقولته الشهيرة: «ومن واجب الدولة أن تحمى الفرد من الدولة ذاتها» ولكن كيف؟ تعطى القضاء حق حمايته من الحكومة حماية فعالة وإنشاء قضاء إدارى خاص بتلك الحماية، وانظر كذلك إلى دعوته إلى الانتقال من ترف الفكر إلى «العمالية الفكرية» التى ينزل فيها المشتغلون بالمسائل الفعلية منزلة العمال بما لهم من حقوق وواجبات.

هكذا عبر مندور عن دائرة أوسع لمفهوم القومية والوطنية والانتماء، أكثر رحابة من المفاهيم الضيقة التى تأكسدت والتى طرحها بعض من ينتمون إلى يمين الوفد، وكانت الطليعة الوفدية هذا التجمع الذى ضم عشرات من أمثال محمد مندور وعزيز فهمى ومصطفى مرسى وعبد المحسن حمودة وأحمد أبو الفتح وإبراهيم طلعت ورفيق الطرزى ومحمد حسنين وعبد اللطيف المردنلى ومحمد صفى الشريف ورياض شميس ومحمد بلال، وتعبيرًا عن ارتباط بعض قطاعات الوفد الأكثر تقدمًا بقضايا رجل الشارع المصرى وكان هذا اتباعًا للحق والحق أحق أن يتبع.

 ويظل التساؤل: ما الدور التاريخى للطليعة الوفدية والذى يوضح لنا محددات الدور «السياسى» ـ «الاجتماعى» الذى لعبه محمد مندور فى حياة أمتنا المصرية؟


 

محمد مندور بين يسار الوفد والحركة الشيوعية المصرية

---------

سيد محمود

يتعرض البحث للعلاقة التى ربطت بين الطليعة الوفدية التى كان محمد مندور منظرها الأول وبين اليسار المصرى وبالتحديد مجموعة «الفجر الجديد» وتنظيم «طليعة العمال» خلال الأربعينيات حيث عمل فيه الجانبان على خلق جبهة وطنية قادت مع فصائل وقوى أخرى اللجنة الوطنية للطلبة والعمال فى انتفاضة 1946 الطلابية الشهيرة.

ويناقش البحث الآراء التى تعاملت مع هذه العلاقة بوصفها صورة من «صور التحالف» وذلك من خلال قراءة فى المقالات التى نشرها مندور خلال تلك الفترة، فضلاً عن تحليل لبيانات مجموعة الفجر الجديد ورهان قادتها على تطوير الوفد من خلال فكر الطليعة الوفدية، وهو ذات الرهان الذى عمل محمد مندور على إنجازه من داخل الوفد.

ويرصد البحث بطبيعة الحال التكوين الفكرى لمندور والذى قاده نحو اتخاذ مواقف مغايرة للمواقف التقليدية لكتاب ومفكرى الوفد، وحقيقة اتهامه بالشيوعية ومواقفه من الاشتراكية والديمقراطية الحرة وغير ذلك من القضايا التى شغلت محمد مندور السياسى والمفكر.


 

العلاقة الجدلية بين محمد مندور وثورة يوليو وخلفيتها

---------

شعبان يوسف

زعم الكثيرون أن ثورة يوليو ـ عبر أجهزتها ورجالها ومؤسساتها وقادتها ـ أقصت مندور عن أداء مهامه الفكرية والنقدية والسياسية، وذهب البعض إلى أنها منعته من الخروج من البلاد لحضور بعض المؤتمرات الأدبية، وفسر البعض أن ابتعاد مندور عن الكتابة السياسية المباشرة ما هو إلا عدم قبوله للأداء السياسى لسلطة يوليو، ولم يشر هؤلاء إلى الاشتباك الفكرى والسياسى الدائم بين مندور وكافة ما هو مطروح، بداية من كتابه «الديمقراطية السياسية» والذى صدر بعد قيام الثورة، وقال فيه «إطلاق الحريات الديمقراطية هو السبيل الذى يؤدى إلى قيام التوازن بين المصالح المتعارضة على نحو يرفع عن الجميع أكبر ضرر ممكن ويحقق لهم أكبر نفع مستطاع»

وحتى الصدام الذى حدث بين كتاب ومفكرين وساسة، وقيادات يوليو فى أزمة مارس 1954، لم يفلت منه مندور، وأبدى رأيه بشكل واسع ومفصل عبر ست مقالات طوال، وأفاض فيها عن الانتخابات وأسس الدولة، والأحزاب ومذاهبها، ورؤيته الساطعة لما أسماه بالجمهورية الاشتراكية، وكانت هذه المقالات منارًا ساطعًا وسط ظلام دامس ساد آنذاك، للأسباب التى أعلنها قادة يوليو، وهددت الحريات الديمقراطية، وفند مندور الأفكار التى طرحها الأستاذ الدكتور السنهورى حول إنشاء ثلاثة أحزاب تحت مسميات «الحزب الجمهورى الاشتراكى والحزب الديمقراطى وحزب اليمين المحافظ» مناقشًا تفاصيلها، وواضعًا النقاط على الحروف، ومطالبًا بأوسع الحريات، متقدمًا بطلب لمجلس قيادة الثورة لإطلاق كافة الحريات، وتصفية المعتقلات، وإباحة تكوين الأحزاب، «لكى تستعد الأمة استعدادًا صحيحًا لخوض المعركة الانتخابية».

ولم يكن توجه مندور نحو النضال السياسى الديمقراطى، بعد ثورة يوليو، إلا امتدادًا لنضال قديم كان مندور قد خاضه، فى صفوف حزب الوفد، عندما كان يترأس تحرير جريدة الوفد المصرى، وأغضب الباشوات الكبار، للدرجة التى أطاح به محمود أبو الفتح من رئاسة التحرير، فاعتمد مندور على نفسه فى الحصول على دخله، واستفاد من مهنته ودراسته كمحام، ولكن جريدة «السراى» «أخبار اليوم» تعقبته، ونشرت خبرًا مفاده: أن مندور أصيب بالعمى، ولذلك بدأت القضايا تسحب من عنده، ولم يفت كل ذلك فى عضد مندور، بل واصل معركته، وخاض معركة البرلمان، وانضم، وأصبح رئيسا للجنة التعليم به، وخاض نضالاً شرسًا ضد كل أشكال الفساد، وتردد على السجن أكثر من عشرين مرة، وكتب ما أقلق السراى، والباشوات، ولكنه عقد صلات وطيدة مع كافة الكتاب الديمقراطيين، وتواصل مع الشيوعيين، رغم إنكاره لذلك، وأظن أنه كان ينفى الشبهات لكى يستطيع أن يقول ما يريد فى ظل سلطات شرسة، وغير ديمقراطية بالمرة، وبالفعل كتب ما يريد عبر صحف ومجلات وكتب، منتقلاً من أرضية ليبرالية إلى أرضية أخرى، وهى الفكر الاشتراكى، محرضًا على تبنيه واعتناقه، وإن كان بمصطلحاته هو، غير الحادة، وحاول أن يخوض انتخابات معركة مجلس الأمة فى عام 1957 عن دائرة المنيل فى القاهرة أمام مصطفى كامل مراد، وكان برنامجه أكثر يسارية من بعض الاتجاهات الماركسية، ولم يهدأ د. مندور، فرأس تحرير مجلة (الشرق)، وكان يكتب مقاله الافتتاحى تحت عنوان ثابت هو «الموقف الدولى»، والذى تابع كتاباته فى جريدة الشعب، سيلاحظ أنها تعرضت كثيرًا لمواقف وأفكار سياسية، خالصة، مرحبًا ـ نسبيا ـ بالأداء السياسى والاجتماعى العام لقادة يوليو، مما جعل علاقته بهؤلاء القادة، علاقة طيبة، ومثمرة وفعالة، أنتج فيها معظم إبداعاته النقدية.


 

قراءة التراث النقدى عند الدكتور محمد مندور

---------

طارق سعد شلبى

يمكن أن نعتبر هذا البحث إجابة عن سؤال بعينه؛ وهو كيف قرأ الدكتور محمد مندور التراث النقدى؟ نحسب أن الإجابة عن هذا السؤال أمر بالغ الإفادة لا فى الوفاء للمنجز النقدى للدكتور محمد مندور وفى تجلية أبعاده فحسب. بل فى إتاحة المجال لاستثمار هذه الأبعاد فى واقعنا النقدى المعيش أيضا. ذلك أن طبيعة هذه القراءة مشغلة ملحة تطرح دوما تساؤلات عميقة لدى المشتغلين بالنقد الأدبى على اختلاف مذاهبهم وتوجهاتهم.

لقد صدرت الطبعة الأولى من «النقد المنهجى عند العرب» منذ ما يقرب من ستين عاما (1948) فى وقت كانت الجهود تتلاقى فبه وتتضافر بلوغًا لنهضة مبتغاة، مما يجعلنا نظن أن وراء الجهد الذى بذله الدكتور محمد مندور دوافع تضاعف أهميته، وعلى ذلك لا يكون هذا الكتاب مجرد دراسة فى النقد العربى القديم بقدر ما يكون مجلى لركائز تحرك ومعالم تواصل مع التراث القديم من ناحية والوافد الجديد من ناحية أخرى.

كان محمد مندور على وعى بطبيعة الدور الذى ينهض به، بوصفه رائدًا يقول فى ختام مقدمته للكتاب قبيل أن يدع جهده الذى بذله فيه بين يدى قارئه:

«لقد كان الموضوع حقلاً بكرًا فسرنا فيه وفقا لما استقر فى نفسنا من خطوط بعد مراجعة المؤلفات المختلفة وإقامة التسلسل بينها، وإننا لنرى أن نكون قد سددنا بتأليف هذا الكتاب ثغرة فى تاريخ التراث العربى ووضعنا حجرًا متواضعًا فى ذلك الصرح الذى يجب أن تقيمه الشعوب العربية لحضارتها التليدة، كما نرجو أن يجد الأدباء ودارسو الأدب ومحبوه فى تضاعيف بحثنا نوعا من التوجيه الذى نعتقد أنه خليق بأن يبصر ببعض الحقائق عن الأدب ونقده بل وإنشائه، وذلك حتى لا تظل السبل مختلطة والقيم ملتبسة غامضة».

ونكتفى فى هذا الملخص بعرض ركائز هذه القراءة ومعالمها، تاركين تفصيل القول فيها والتمثيل والبرهان عليها للبحث نفسه.

يلمس القارئ لكتاب النقد المنهجى عند العرب نزوعا لافتا إلى تتبع العلاقات مهما بلغ عمقها وتشبعها، فالمادة المدروسة تغرى الدكتور محمد مندور برصد أصولها ومنابعها وتتبع نتائجها وتأثيراتها مما يكشف عن قراءة تعمق الظاهرة لترى ما وراءها فتقدم فهما أدق لها.

«لقد كان موضوع هذا الكتاب عند بدء التفكير فيه «تيارات النقد العربى فى القرن الرابع الهجرى» ولكننا لم نكد نأخذ فى جمع ما كتب فى ذلك القرن حتى أحسسنا أنه قد كانت هناك لذلك القرن أصول سابقة كما أنه قد امتدت له فروع»

وقد يكشف تتبع العلاقات عن التحولات التى تعد مظهرًا للصلة القائمة بين المجالات المعرفية على اختلافها.

«تتبعنا موضوع بحثنا منذ أول كتاب وصل إلينا فى النقد وتاريخ الأدب؛ وهو كتاب طبقات الشعراء الذى كتبه ابن سلام الجمحى فى القرن الثالث الهجرى، كما تتبعنا إلى أن تحول النقد إلى بلاغة على أيدى أبى هلال العسكرى مؤلف سر الصناعتين فى القرن الخامس بل وانحدرنا به قرنين آخرين حتى لاقينا ابن الأثير فى المثل السائر».

وتحرى الصلات والاجتهاد فى رصد العلاقات يفسر لنا طبيعه التوجه التاريخى للدكتور محمد مندور فى قراءة التراث فهو لا يعرض عرضًا تاريخيا يتقيد بالتتبع الزمنى ويقنع بالعرض والتلخيص بل تكون حركته - وإن اتخذت مسارًا تاريخيا منطقيا - مرتبطة بهذا الرصد المبتغى الذى يشرع فى الحوار الإيجابى مع المنجز التراثى.

«وفى خلال هذه الرحلة الطويلة عرض لنا الكثير من أمهات المسائل التى لم يكن هناك بدُُّ من  إيضاحها لكى تبين معالم الطريق وندرك تسلسل علوم اللغة العربية المختلفة وتاريخ نشأتها كالبلاغة والبديع والمعانى والبيان، كما عرضت جملة من النظريات العامة فى الأدب فضلا عن عدد كبير من المناقشات الموضوعية فى النقد التطبيقى فتناولتا كل ذلك بالغربلة والتمحيص».

ووراء الجهد الذى بذله الدكتور محمد مندور فى قراءة التراث وعى، مرهف به؛ يتضح ذلك فى الفطنة إلى خصائصه، ومراعاة ذلك عند القراءة والتحليل؛ وكان قطاعا كبيرا من آراء الدكتور مندور قد صدرت عن مبدأ مهم؛ وهو أن خصوصية المدروس تحدد إجراءات الدرس؛ فلا يقتحم المرء التراث ليقحم عليه تصورا منهجيا مسبقا صارما بل يلتمس فى هذا التراث من الخصائص ما يشى بطبيعة الدرس والتحليل.

فالدكتور محمد مندور يقف على فكرة التقاليد عند العرب ويرصد امتدادها ومدى تأثرها بالثقافات الأجنبية حتى إذا ما استبان له كنهها حرص على اتخاذها منطلقًا لفهم التراث النقدى.

والأمر أشد اتضاحا فى دعوته الصريحة إلى قراءة التراث القديم بعقولنا الحديثة ويعقب على هذه الدعوة قائلا:

«وإن كنا حريصين على ألا يستفاد من دعوتنا إلى تناول التراث القديم بعقولنا الحديثة أى إسراف بإقحام ما لم يخطر بعقول أولئك المؤلفين القدماء من نظريات وآراء، كما أننا حريصون على ألا نجهل أو نتجاهل الفروق الأساسية الموجودة بين الأدب العربى وغيره من الآداب الأوروبية بما يستتبعه ذلك من تفاوت كبير فى مناهج النقد وموضوعاته ووسائلة».

والحق أن عبارة الدكتور محمد مندور لا تكشف عن الوعى المرهف بخصوصية التراث العربى أدبه ونقده فحسب بل عن مزاوجة بين محبة التراث وإكباره من ناحية وتقدير مدى الإفادة من تقدم الفكر النقدى من ناحية أخرى، وهو ما يلوح فى قراءة التراث قراءة متزنة تدع التراث يقول ما يود دون أن ننطقه نحن بما نريد.

وفيما يتعلق بإجراءات القراءة نجد الدكتور محمد مندور يعنى بالذوق فيقدم مفهوما له يحرره من الجانب الذاتى والبعد الانطباعى الانفعالى؛ وذلك بإخضاعه لقدر من الأسس والمعايير تجعله يرقى لأن يكون أداة منهجية فى الرصد والتحليل، والعلة فى نظرة الدكتور محمد مندور إلى الذوق على هذا النحو مرتبطة بما أشرنا إليه من تأثير خصوصية المدروس على إجراءات الدرس.

«ولما كنا فى مجال الأدب ونقده فإنه لم يكن مفر من أن نفصل فى الكثير من الخصومات والمجادلات والمناقشات برأينا الخاص الذى يستند ـ فضلاً عن الفكر النظرى ـ إلى الطريقة الخاصة لكل باحث فى تذوق الأدب ولسوف يرى القارئ إيضاحًا لتلك الحقيقة التى لا تنكر، وهى أن الذوق لابد من أن يكون من مراجع الحكم النهائى فى الأدب ونقده ما دام يستند إلى أسباب تجعله ـ فى حدود الممكن ـ وسيلة مشروعة من وسائل المعرفة التى تصح لدى الغير».

والملمح الثانى من ملامح الإجراءات المنهجية فى قراءة التراث يتمثل فى الحرص على وضع المصطلحات وتحديد مفهومها تمهيدًا للصدور عنها فى القراءة والتحليل؛ يوضح الدكتور محمد مندور المقصود من النقد المنهجى فى الصفحة الأولى من مقدمة كتابه، ويمهد للكتاب نفسه بقوله:

«ليس من شك فى أن تحديد مدلول الاصطلاحات العلمية يكون جانبًا من بناء العلوم العلمية ذاتها».

وآخر ما نسجله من سمات للإجراءات المنهجية فى قراءة التراث فيتمثل فى اتخاذ عينة من المادة المقروءة المرصودة، تحل إشكالية عمقها واتساعها دون أن تجور على طبيعة التناول أو صحة النتائج، يتضح ذلك حين جعل من مصدرين من مصادر النقد العربى؛ هما الموازنة للآمدى والوساطة للقاضى الجرجانى مركزا لبحثه كله فى النقد المنهجى عند العرب الذى يقوم على منهج تدعمه أسس نظرية أو تطبيقية عامة.

وبعد

فلا نزعم أننا قد قدمنا آراء يقينية مقطوعًا بصحتها حول طبيعة قراءة التراث النقدى كما تتضح عند الدكتور محمد مندور، فقد يكون لدى القارئ تحفظ على هذا الرأى أو ذاك، حسبنا أن نشير إلى بروز هذه المشغلة فى واقعنا النقدى المعيش، ونؤكد أهمية جهد الدكتور محمد مندور فى هذه المشغلة.

هذه الأهمية إن لم تتبلور فى الركون إلى تصور محدد وكيفية واضحة لهذه القراءة فلا أقل من أن تكون بإثارة تساؤلات تعمق الإحساس بهذه المشغلة، فتدفع بذلك جهودنا المبذولة فى بابها خطوات إلى الإمام!!

 


 

مفهوم الشعر عند مندور

---------

عادل عوض

حفل تاريخ الفكر الإنسانى بكثير من الآراء التى حاولت التنظير للشعر، وذلك بوضع القوانين النظرية التى تحدد ماهيته وأدواته وغاياته وتبرز السمات الخاصة والتقاليد المميزة.. ولما كانت هذه الآراء تصدر عن الإنسان بما له من فكر خاص، ومشاعر مميزة، كان لابد من أن تنطبع هذه الآراء بطابع أصحابها وبيئتهم، وبتانس مع موقفهم الفكرى، واتجاههم الفلسفى، ورؤيتهم المنفردة للحياة والإنسان.

والمتأمل فى الدراسات التى خصصها مندور (1907 ـ 1965) للشعر، بما تحتوى عليه من مادة نقدية غزيرة تكاد تعرض نظرية متكاملة فى نقد الشعر، أو تصورًا متكاملا، يتحدد فيه مفهومه لماهية الشعر، ومهنته أو لغته وأدواته، كما يكشف أيضًا عن أن هذا التصور له علاقة وطيدة بالسياق الاجتماعى السياسى، وتفسير الظواهر على ضوء المرحلة التاريخية، فيقول:«ونحن لا نريد، ولا ينبغى لنا، أن نعزل الشعر والأدب عامة عن حياة المجتمع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولا أن نقصر البحث فى عوامل تطوره ونموه وتنوع اتجاهاته على النظريات الفلسفية أو النقدية للأدباء والنقاد، وذلك لأننا برجوعنا إلى تاريخ بلادنا فى الفترة التى ظهرت فيها حركة «أبوللو» لن نلبث أن نتبين أنه كان من الطبيعى أن يطغى فى تلك الفترة التيار الرومانسى العاطفى الذاتى، فبلادنا إذ ذاك كان يحكمها رجل يؤمن بنفسه أكثر مما يؤمن بشعبه، وكان الشعب يحس منه ذلك ويأبى أن يستجيب له، مما أدى إلى صدام عنيف بينه وبين الشعب... وفى مثل هذا الجو كان من المستحيل أن يظهر أى أدب غير أدب الشكوى والأنين الذاتى».

وتدلنا كتابات مندور المتعددة، على أنه كان مشغولاً بالبحث عن تعريف دقيق للشعر، ليتخذ منه مدخلاً إلى تحديد ماهية هذا الفن ووظيفته، فوقف عند بعض الآراء القديمة والحديثة لا فى التراث العربى وحده ولكن فى تراث الأمم الأخرى أيضًا، وهو يقرر من البداية صعوبة تحديد تعريف جامع مانع للفن الشعرى، ذلك أن خصائص الفنون الأدبية فى حياتها المبكرة كانت تتداخل، فيما بينها، من الناحيتين الفنية والموضوعية، تداخلاً واسعًا عميقًا. ولكن هذا التداخل أخذ يتطور ويتغير بتطور الفنون الأدبية نفسها عبر تاريخ الإنسان الطويل مما جعل من الصعب على النقاد قديمًا وحديثًا تحديد تعريف ثابت وجامع مانع كما يقول المناطقة للشعر.

وانطلاقًا من هذا الوعى، يعرف مندور الشعر، بأنه تعبير ينطوى على خلق لمعطيات جديدة، وأى خلق فنى لا يمكن أن يكون خلقًا عقليا محضًا، بل خلق حواس، أو «هو العبارة الفنية عن موقف إنسانى عبارة موحية».

وإذا تأملنا فى هذا التعريف لاحظنا أن حقيقة الشعر عند مندور قائمة على عنصرين، هما العبارة الفنية، وهذا ما يمثل عنصر الصياغة والتعبير الفنى، أى جانب الشكل من الشعر، والموقف الإنسانى أو التجربة البشرية، أى ما يمثل جانب المضمون والمحتوى.

إن الصياغة الفنية فى نظر مندور هى قوام الشعر، وهى ليست أمرًا شكليا أو «مجازات تتعلق بظواهر الأشياء أو تستخدم لإيضاح المعنى أو تقويته، بل أمر الخلق الفنى فى صميم حقيقته»، فخصوصية الشعر فى صياغته وأسلوبه، لأنه «طريقة من طرق العبارة عن النفس، يعبر باللفظ كما يعبر المصور بالألوان والناحت بالأوضاع»، وهذا ما يجعل الشعر فى نهاية المطاف «فنًا لغويا» وليس اهتمام مندور بهذا العنصر الشكلى من باب اللفظية فى رأينا، وليس هو عودة إلى الاحتفال بالصنعة والتصنع، وإنما هو إدراك عميق لجوهر الشعر، نابع من إيمان مندور بجمال الصياغة والشكل.

هذا عن الشكل والصياغة، أما المضمون والمحتوى، فيحدده الجزء الثانى من تعريف مندور للشعر، وهو قوله «عن موقف إنسانى»، فناقدنا يحرص على أن يكون الشعر فى مضمونه متصلاً بالنفس الإنسانية، صادرًا عن الصدق والإخلاص والبساطة. وهذا هو معنى «الهمس»، وهو عنده صدق فى الإحساس، ودليل أصالة طبع، خلافًا للخطابة والطنطنة والطرطشة التى هى بعد عن جوهر الشعر، وعلى هذا الوجه تتحدد وظيفة الشعر بالمعنى الإنسانى الذى ذهب إليه مندور، فالشعر إنسانى أو لايكون، والشاعر إنما يكتب ليساعد غيره على استكشاف نفسه. «ونحن بعد ذلك لا نكتب لنسكب ما فى نفوسنا فى أنفس الغير، وإنما لنعين كل نفس على الوعى بمكنونها؛ إذ النفوس عامرة بكل حق وجمال»، موقف الشاعر منحاز إلى الإنسانى، وهو ليس محايدا ولا يمكن أن يكون كذلك، فقلب الشاعر ممتلىء أحاسيس إنسانية، وبفضلها يوجه أدبه نحو الآفاق الإنسانية الرحبة.

هكذا نستخلص أن محورين أساسين يستقطبان مفهوم محمد مندور للشعر، فأولهما مادته المتمثلة فى اللغة الفنية والصياغة الجميلة، وتلك خصوصية الشعر، وثانيهما ما تعبر عنه هذه الصياغة الجميلة من معان إنسانية عميقة، متنوعة من صميم الحياة، وفيها همس وألفه ومحبه.


 

سمات المنهج النقد ى عند محمد مندور

---------

عبد الرحمن أبو عوف

كان الناقد البارز محمد مندور من أكثر النقاد العرب اهتماما بالبحث عن (منهج نقدى) قائم على التراث والمعاصرة، وجسد بذلك استمرارا حيا للتقاليد التى أرساها ـ طه حسين ـ فى محاكمة الأوهام فى ثقافتنا ونزع النقاب عن الأنظمة اللاعقلية الموروثة، وإيقاظ الرغبة فى قيام قانون يصبح المفكر فيه هو حقيقته دون تنازل أو تبرير.

ومنذ أواخر الأربعينيات ومحمد مندور يقدم الكثير لفكرنا الاجتماعى والنقدى والسياسى، عاش حياة خصبة نحياها من جديد حين نقرأه، قدم لنا فى مستهلها كتبه المضيئة (فى الميزان الجديد) و(النقد المنهجى عند العرب) و (نماذج بشرية) و (الأدب ومذاهبه) إلى جانب دراسات فى الشعر ومحاضرات فى المسرح والنثر... هذا بالإضافة إلى دراساته عن المسرح المصرى والعربى ونشأته وتحولاته وتياراته، ومازال كتابه (مسرح توفيق الحكيم) مرجعًا أساسيا لفهم دور ومسرح توفيق الحكيم.

والبحث فى رحلة ـ محمد مندور ـ النقدية يستلزم فهم مكوناته الثقافية وعلامات التفاعل بين تحولات فكره وعطائه مع تحولات الثورة الوطنية المصرية وصعودها لثورة ذات بعد تقدمى، ثورة 1952 التى قادها عبد الناصر.

درس محمد مندور فى كليتى الحقوق والآداب بتوجيه من طه حسين ثم سافر فى بعثة إلى فرنسا فى الثلاثينيات، وظل يدرس هناك مدة تسع سنوات، حصل فيها على ليسانس فى الآداب ودبلوم فى علم الاقتصاد السياسى، ودبلوم فى علم الأصوات، كذلك درس التراث اليونانى والحضارة اليونانية،وعاد إلى القاهرة ليقدم رسالته الرائدة فى الدكتوراه عن (النقد المنهجى عند العرب).

تأثر مندور بالثقافة الفرنسية واليونانية، ونهل بعمق من منابعهم وتوقف عند دراسة نقاد عظام مثل (سانت بيف) و (تين) و (برونتت) و (لانسون) وبفلسفة (د.بوانكاريه)، كذلك درس التراث اليونانى وتعمق فى الأساطير والدراما الإغريقية عند إسخيلوس وسوفوكليس ويوربيدى وأرسيتوفان وأيضا الملاحم اليونانية، الإلياذة والأوديسة لهوميروس، ودرس تفسيراتها المعاصرة، وألم بالمسرح الكلاسيكى الفرنسى عند كورنى و راسين، ويومارشيه وموليير، إضافة إلى كل ذلك فمندور تكون أساسًا وواصل التكوين بعد أن عاد من أوروبا بأسس وأمهات الموسوعة العربية فى الأدب ونقده وفنونه، كالأغانى والأمالى، والعقد الفريد، ونهاية الأرب ودرس عبد القاهر الجرجانى وابن قتيبة، والجمحى والجاحظ وقدامة بن جعفر والمبرد، وأبا هلال العسكرى وغيرهم.

كان مندور مرشحا لإحداث ثورة فى النقد العربى فضلا عن حسه السياسى الناضج والواعى بتطورات الأحداث العالمية والعربية والمصرية، لدرجة أن هناك جانبا مهما من حياته ونشاطه لم يدرس دراسة كافية مثل استقالته من الجامعة قبل ثورة 23 يوليو 1952 وتفرغه للصحافة الحزبية والعمل السياسى فى صفوف طليعة الوفد حزب الأغلبية، حتى وصل إلى نائب فى البرلمان، وهناك كتاب صدر عقب وفاته بعنوان (كتابات لم تنشر) ضم مقالات وطنية وسياسية وثقافية ساخنة تدل على وعى وطنى اجتماعى متقدم.

ويتفق معظم الدراسين لمنهج محمد مندور النقدى على تسميته (بالمنهج الذوقى الانطباعى) برغم أنه قد يجنح أحيانا إلى الجانب الدراسى التحليلى أو التقييم الأيديولوجى الاجتماعى. وهو فى هذا يختلف عن (طه حسين) الذى يغلب على منهجه الطابع التحليلى العقلانى، ولعل هذا يعود إلى موقف كل منهما من العلم بشكل خاص، لقد كان فكر طه حسين يرتكز على مفاهيم الحتمية التاريخية الطبيعية وعلى العقلانية الديكارتية من الناحية الإجرائية ويجنح نحو علمنة الدراسات الأدبية عمومًا (كما يقول محمود أمين العالم).

أما محمد مندور فكان يقف موقفا مواضعاتيا من العلم متأثرا فى ذلك بفلسفة (د.بوانكاريه) خصوصا بكتابه (قيمة العلم)، وكان يرى أن العلم لا يقوم على أساس موضوعى وإنما على مواصفات نسبية، ولهذا فلا سبيل إلى معرفة الحقيقة علميا، وهذا ما أشار إليه أيضًا محمود أمين العالم.

ويمكن رصد رحلة محمود مندور فى البحث عن منهج نقدى، فى مراحل ثلاث

أولا: مرحلة المنهج التاريخى الأسلوبى: وقد تأئر فيها بمبادئ مدرسة (لانسون) التى تقوم على المنهج التاريخى، أى متابعة مختلف النصوص الأدبية فى تسلسلها التاريخى لمعرفة خصائصها الذاتية والقيام بالدراسات المقارنة بين أساليبها المختلفة، وثمرة هذا المنهج كتابه (النقد المنهجى عند العرب).

ويؤكد محمد مندور أن الذوق ينبغى أن يكون المرجع النهائى فى الحكم النقدى، كما يؤكد على ضرورة النظر فى المراحل المختلفة للنقد وأساليب التعبير الأدبى لضمان سلامة الحكم النقدى، وهو يعرف النقد عموما بأنه دراسة النصوص والتمييز بين الأساليب المختلفة.

ثانيا: مرحلة المنهج الذوقى التأثرى: ويطلق عليها نظرية (الشعر المهموس) ولقد عرض هذه الرؤية فى كتابه (الميزان الجديد)، وهى ترفض كلا من الكلاسيكية والرومانسية وتتخذ طريقا وسطيا يحاول من خلالها أن يجعل الذات والموضوع وحدة واحدة، كذلك الوجدان والعقل فيما يسمى عدة أدوات منها الهمس والإيحاء والاقتصاد فى اختيار الكلمات وتجسيد المشاعر والصور والأخيلة، ولقد خدمت هذه الرؤية النقدية مدرسة أبوللو فى الشعر غير أنهم غالوا فى الفردية والوجدانية.

ثالثًا: مرحلة النقد الأيديولوجى: ومع تطور الحركة الوطنية وظهور طبقات جديدة بدأت تلعب دورًا بارزًا فى قلب جدل العملية الاجتماعية كالعمال والفلاحين، تجاوز مندور الرؤية الفردية والوسطية فى الشعر المهموس وتوصل إلى ما أسماه (النقد الأيديولوجى) وقد عرضه فى عدة كتب أبرزها (المذاهب الأدبية والفنية) و (قضايا جديدة فى الأدب الحديث). وقد خاض معارك حافلة ضد أنصار الفن للفن ودعا إلى أدب واقعى من أجل الحياة، يصور البسطاء والمطحونين، أقرب إلى الموضوعية.

كان محمد مندور بحق الحلقة الوسطى بين النقد الاجتماعى والتاريخى والنقد الواقعى الجدلى، إضافة إلى هذا الدور فى تأسيس منهج علمى للنقد، فقد ترجم بإتقان بعضا من الأعمال الأدبية والنقدية أهمها رواية (مدام بوفارى) لغوستاف فلوبير و (نزوات مربان) لألفريد دى موسيه وكتاب (دفاع عن الأدب) لجورج ديهاميل إلى جانب عدة مسرحيات.

ويبقى دور محمد مندور كأبرز نقاد المسرح تعريفًا بنظرية الدراما وأصول واتجاهات المسرح، كذلك تابع المسرح فى ازدهاره فى الستينيات، وكتب عن نعمان عاشور وسعد الدين وهبة وألفريد فرج ويوسف إدريس ولطفى الخولى ومحمود دياب وميخائيل رومان ورشاد رشدى... إلخ.

كما قام بالتدريس فى معهد الفنون المسرحية منذ نشأته، وتجلى حصاد جهده التعليمى فى ظهور عدد كبير من نقاد وفنانى المسرح الذين ما زالوا يلعبون دورا بارزا فى حياتنا المسرحية والفنية والأدبية والصحفية

ولا ينتهى الحديث عن محمد مندور دون تسجيل مدى صدق رؤيته السياسية، وقت تفرغه للعمل الصحفى والسياسى فى أواخر الأربعينيات، حيث ناضل ضد حكومات الأقلية والانقلابات على الدستور، ودافع عن قضية الحرية والديمقراطية والاستقلال، وتعرض للسجن فى عهد إسماعيل صدقى باشا فى الاعتقالات الشهيرة التى جرت عام 1946حيث اعتقل مع عدد من المثقفين الديمقراطيين والشيوعيين.

وإذا عدنا إلى مقالاته السياسية فى هذه الفترة سنجد فى معظمها مطالب حققتها ثورة 1952 كالدعوة لتأميم شركة قناة السويس والحياد الإيجابى وضرورة تدخل الدولة فى الاقتصاد والدعوة للعدالة الاجتماعية، ورفض الليبرالية الغربية والمطالبة بديمقراطية اجتماعية والتحذير من العدو الإسرائيلى.

لقد كان محمد مندور نموذجا للمثقف المرتبط بقضايا وهموم شعبه وكان من أبرز مؤسسى الثقافة الوطنية الديمقراطية، لذلك سيظل يعيش فى وجداننا رمزا للعقل وللتنوير وللتقدم.


 

من التذوق الجمالى إلى الوعى الأيديولوجى

قراءة فى المنهج النقدى عند محمد مندور

---------

عبد الرحمن حجازى

إن دراسة تتناول الرؤية المنهجية للدكتور محمد مندور (1907 ـ 1965) فى نقد الشعر العربى لهى دراسة عميقة متشعبة: ذلك لأنه ناقد قد مر بمعظم الاتجاهات الأدبية والنقدية؛ فراح ينهل منها وينشر العديد من الدراسات عن المذاهب الأدبية والمدارس النقدية والاتجاهات المسرحية، كما أنه لم يكتف بهذه الدراسات ذات الطابع النظرى، وإنما اهتم أيضا بالدراسات التطبيقية، وقد بدأ عمله النقدى بمراجعة ما أنجزه الجيل السابق عليه؛ إذ إنه نظر فى أحوال النقد الأدبى فى مصر - آنذاك - فوجده نقدا تغلب عليه الدعاية الرخيصة يقوم بها نقاد محترفون «لا يقرأون ما يكتبون عنه فيما عدا العنوان وبعض الصفحات»، وصار النقد لا يخرج عن أمرين:

إما سباب وشتم. وإما إعلان رخيص؛ لذا هب مندور واقفًا ممسكا بيده «ميزانه الجديد» الذى سيزن به الأعمال الأدبية.

ومن الممكن لنا أن نصف الدكتور مندور بأنه «ناقد ثقافى» بالمعنى المعاصر للمصطلح؛ حيث إنه دعا إلى الربط بين التراث العربى القديم، وبين الثقافة المعاصرة، والوعى بهما معًا، والانطلاق منهما أيضا، كما أنه صاحب الدعوة إلى أن يكون للأدب دور اجتماعى، والتأكيد على أن يكون الأدب فى سبيل الحياة؛ لأن الأدب وسيلة مهمة وراقية وجميلة من وسائل تغيير المجتمع وتطويره ومساعدته على التقدم، والى حتمية أن يربط المثقف فكره وعقيدته بالحياة والناس فى مجتمعه؛ ذلك أنه هو نفسه نزل إلى الواقع المعيش، واحتك به احتكاكا مباشرا، حتى وصل إلى أن يكون عضوا فى البرلمان معبرا عن قضايا الناس، وبذل جهدا ملحوظا فى تنوير الجماهير وفى مخاطبة الرأى العام، فى محاولة للإسهام فى تغيير ما بالواقع من أخطاء وعيوب.

كل هذه الأفكار والأطروحات حاول مندور أن يغربلها ويسبر غورها، محددًا موقفه منها سواء بالقبول أو بالرفض، يقف فى مقدمتها مفهومه للمنهج النقدى وتفسيره، ثم تحديده لمصطلح النقد الأدبى وماهيته، ومن هو الناقد الأدبى، وما وظيفته... إلى غير ذلك من قضايا ومشكلات تساعد على تحديد الميزان النقدى الجديد الذى يريده، ثم تحديد ملامح المنهج النقدى الذى يدعو إليه ويتمسك به؛ حتى تكون رؤيته واضحة الملامح والمعالم.

من هنا يمكننا القول إن منهجه النقدى قد سار على أساس سبيلين أساسيين هما:

أولاً: السبيل التنظيرى؛ حيث كتب عدة مؤلفات تناولت الجانب التنظيرى فى النقد الأدبى، مثل، «النقد المنهجى عند العرب» و«فى الميزان الجديد» و«فى الأدب والنقد»، و«الأدب وفنونه»، و«الأدب ومناهجه»، و«النقد والنقاد المعاصرون»، و«معارك أدبية».

ثانيا: السبيل التطبيقى؛ حيث قام باستعراض المدارس الشعرية الحديثة سواء بالنقد أو بالتحليل، وهى: الدراسة التقليدية، والمدرسة الرومانسية، ومدرسة الديوان والمدرسة المهجرية، ومدرسة أبوللو، ومدرسة الوجدان الجماعى، وقد تم ذلك فى عدة مؤلفات منها: «الشعر المصرى بعد شوقى»، و«خليل مطران» و «إبرا هيم المازنى»، و«ولى الدين يكن»، و«إسماعيل صبرى».

ومن ناحية السبيل التنظيرى، فقد اتضح لنا منهج مندور فى نقد الشعر؛ إذ بين أنه كان يؤمن بأن المنهج الفرنسى اللانسونى فى معالجة الأدب هو أدق المناهج، وهذا المنهج يسمى «تفسير النصوص»، وقد تبلور ذلك عند مندور حينما أخذ يستمع إلى تفسير أساتذته فى السوربون لنصوص ممتازة لأعلام الأدب العالمى، إلا أنه راعى ظروف المجتمع المصرى؛ إذ بسط النظريات النقدية والمنهجية من خلال التطبيق والموازنات.

وبذلك انطلق مندور فى نقد الشعر مرتكزا على منهج ذوقى تأثرى ينظر إلى العمل الأدبى من خلال عناصره الثلاثة: العبارة الفنية، والموقف الإنسانى، والإيحاء، بالإضافة إلى العناية بعلم الأسلوب على أساس من الجمال اللغوى، وقد طبق ذلك ـ فى بداية منهجه النقدى ـ على الشعر المهموس مفضلا إياه على الشعر الخطابى، ثم يتحول إلى النقد الموضوعى الذى يعتمد على الأسلوب العلمى المحايد، والذى يهدف إلى الوصف والتحليل والتعريف والتثقيف أكثر مما يهدف إلى التوجيه، ثم تأتى المرحلة الأخيرة من منهج محمد مندور، وهى مرحلة النقد الأيديولوجى؛ حيث يحدد للأدب وظيفة اجتماعية محددة، من حيث كونه تعبيرا عن واقع اجتماعى معين، وعن رؤية فكرية معينة للواقع المعيش وللعالم، كما يصبح الأدب نقدا للحياة؛ أى نقد حياة الأديب، وكذلك نقد حياة مجتمعه والإنسانية جميعًا.

أما السبيل التطبيقى فقد كان همه الأول فى البحث عن المنهج النقدى؛حيث يعد الجانب التطبيقى هو الأساس فى عملية النقد، ويصبح النقد هو «فن دراسة الأساليب وتمييزها»؛ لأن الناقد ـ فى هذا الجانب ـ يكون أقرب إلى الأديب منه إلى الناقد، ويكون اعتماده على الذوق فى فهم العمل الأدبى والتأثر به قبل أن يشرع فى تفسيره والحكم عليه.

 

إضاءة النص الأدبى

كتاب «نماذج بشرية» لمحمد مندور  نموذجًا

---------

عــزة بـــدر

فى كتابه «نماذج بشرية» استطاع محمد مندور أن يقدم منهجًا نقديا حديثًا هو إضاءة النص كأسلوب نقدى يتوخى الموضوعية والحساسية التى ارتبطت برؤيته الإنسانية للأدب، ونظريته فى استخدام الحس أو التذوق الأدبى فى التعامل مع الأعمال الأدبية، وتتجلى هذه الرؤية فى كتابه «نماذج بشرية» والذى كان ثمرة مقالاته المنشورة فى مجلة «الثقافة» فى الأربعينيات من القرن الماضى وبالتحديد فى عام 1943 والتى نشرها بالمجلة تحت عنوان «فى الميزان الجديد». ومندور فى نماذجه البشرية يقدم رؤيته النقدية التى استهدفت إضاءة النص للقارئ كهدف نقدى يعلو على ما عداه من الأساليب التقليدية فى نقد الأدب، وإضاءة النص بهذا المعنى تستهدف النظر إلى الأدب نقديا بروح إبداعية لا تقل ابتكارًا عن النص الأدبى نفسه، ويتجلى ذلك واضحًا فى تناوله للشخصيات الروائية الشهيرة التى تناولها من خلال كتابة نقدية تحفل بإبراز كل ما هو إنسانى، وتجعل من النقد رؤية مستبصرة تنفذ إلى أعماق النصوص الأدبية وتدفعها باتجاه الحياة، وتناوله لنماذج روائية استحالت من فيض حيويتها إلى نماذج إنسانية وحيوات نراها تسعى بين أيدينا مثل شخصية فاوست للشاعر الألمانى جوته، ومثل بيتريس لدانتى، ودون كيشوت لسرفانتس.

ونماذج مندور البشرية نماذج نقدية بلغت أوجها إلى جوهرها والنفاذ إلى أعماق كتابها وتحليل كتاباتهم والغوص مع أبطال رواياتهم بشكل فنى، ولم يكتف بتحليل هذه الشخصيات الروائية وإنما قدم من خلالها أفكارًا اجتماعية جريئة انتقد فيها قوانين الهيئة الاجتماعية التى كثيرًا ما تكون مخاتلة ومنافقة مثل تناوله لشخصية «موتشكين» أو العبيط عند ديستوفسكى فيثير مندور أسئلة مهمة حول أخلاق الهيئة الاجتماعية فيتساءل هل بطل ديستوفسكى عبيط حقًا؟! فهو لا يعرف أن ليس كل حق يقال، وإذا قيل فما ينبغى أن يقال لكل إنسان ولكنه مع ذلك صادق كل الصدق فيقول مندور: «إننا نتساءل عن سر عبط هذا الأمير؟ وعقولنا هى الفاسدة وحياتنا الاجتماعية قد خربت نفوسنا فكانت من الالتواء بحيث جعلتها نفاقًا متصلاً».

فى نقدات صائبة وقراءة نقدية مستبصرة يقدم لنا مندور فى كتابه «نماذج بشرية» إضاءة النص كأسلوب نقدى متدفق بالحيوية وجدير بإعادة الصلة بين الأدب وأعمق ما فى الحياة من معان ومشاعر وأحداث وحيوات.

المنهج والمنهجية عند مندور فى قراءة التراث النقدى

قراءة فى كتاب النقد المنهجى عند العرب

---------

عيد بلبع

من المؤكد أن تراثنا أو تراث الآخر، ليس جوهرًا نقليا، اكتمل دفعة واحدة أو دفعات، فى الماضى، فلم يبق سوى تكراره، أو إلغائه، وإنما هو بعض خبرة النوع الإنسانى المرتبطة بشروطها التاريخية، والتى تقبل احتمالات الزيادة والتطور، والتغيير والتحول فى الوقت نفسه. (جابر عصفور)

تأتى هذه المقولة التأسيسية ردا على اتجاهين متضادين متباينين، فهى فى الوقت الذى تنفى فيه صواب من يتجه إلى قراءة الآخر قراءة انصهارية تذوب فيها الجذور لصالح الوافد، وتستقيل فيها الهوية فى الوارد، تنفى الصواب أيضا عمن يتجه إلى قراءة التراث قراءة تقديسية يمحو فيها الحاضر فى الماضى، وهى فى الوقت الذى تنفى فيه الصواب عن الرافض للتراث جملة واحدة بدعوى القطيعة المعرفية، تنفى أيضا صواب الرافض لمنتج عقل الآخر بدعوى التمسك بالهوية، والموقف الذى تقره هذه المقولة هو موقف القراءة الناقدة التى تأخذ وترد، تقبل وترفض وتزيد وتطور، تغير وتحول، إلى غير ذلك من المواقف التى تتسم بالتفاعل بين معطيات العقل البشرى بوصفها بعض خبرة النوع الإنسانى تذوب فيه الحدود بين المواقف مهما كانت منابعها.

من هذه المنطلقات نقرأ قراءة د.محمد مندور للتراث النقدى التى انطلق فيها من موقف غير عابئ بموطن المعرفة، لا يقبل معرفة الآخر لأنها حديثة مرتبط بسلطة التقدم التى يتسم بها الآخر فى مجالات معرفية أخرى، بل يقبلها لأنها صواب فى ذاتها، ولا يقبل المعرفة التراثية لأنها تراث الأجداد الذى ينبغى أن يتمسك به ويتشبث بآرائه، بل يقبله لأنه صواب، أما إذا رفض بعض آراء هذا الموروث فإنه لا يرفضها لأنها لم توافق الوافد من الآخر، بل يرفضها لأنها ينبغى أن توضع موضع المساءلة والمراجعة، إن مندور لا ينفى ضرورة وقوفنا على ما أنتجه عقل الآخر من المعرفة والعلم «فقد تكون أدوات إنتاج معرفتنا الجديدة بالتراث ليست من صنعنا تمامًا، ولكننا يمكن أن نمتلكها تمامًا، بالفحص الدقيق لسلامتها، والمراجعة المستمرة لأصولها، و الانتباه اليقظ إلى ما تتضمنه استعارتها المعرفية من سلب وإيجاب» (النقد المنهجى، ط نهضة مصر 1996م ص186)، ومن ثم قد تكون معارف الآخر معينة لنا على إعادة وعينا بذاتنا وبتراثنا، فالذى ننفيه هو تلك التبعية العمياء التى لا تقل خطورة عن تبعية بعض المحدثين للتراث.

ربما يمكننا بلورة رأى د.مندور فى أن اقتصار إفادتنا من هذه المعارف المستعارة على زيادة وعينا بتراثنا، لنتخذه منطلقا إلى التطور، أجدى بكثير من محاولات التقمص، التى يلتقط فيها كثير من الباحثين جذاذات متطايرة من المقولات المستعارة، دون وعى كامل بها، فيحيكون منها ثوبًا رقيعًا، ويسيرون فى درب الدراسات الأدبية بخطى غير واثقة، ولكن هذا لا يعنى بحال من الأحوال أننا نوافق د. مندور فى كل ما ذهب إليه، ففى ثنايا موقفه الطامح إلى تجلية المنهجية النقدية فى التراث نجد بعض الآراء التى لا تخلو من تحامل فى بعض المواضع، كما لا تخلو من بعض المبالغة فى الإعلاء من شأن بعض الأفكار التراثية فى بعض المواضع الأخرى، وبذلك تتحدد القضايا التى تعرضها هذه الدراسة لموقف مندور من التراث النقدى فيما يلى:

- مندور وإيجابيات التراث النقدى

تنطلق رؤية مندور لإيجابيات التراث النقدى من هذه الرؤية العامة التى يرى فيها أن «فى الكتب العربية القديمة كنوزًا نستطع ـ إذا عدنا إليها وتناولناها بعقولنا المثقفة ثقافة أوروبية حديثة ـ أن نستخرج منها الكثير مز الحقائق التى لا تزال قائمة حتى اليوم، وإن كنا حريصين على ألا يستفاد من دعوتنا إلى تناول التراث القديم بعقولنا الحديثة أى إسراف لم يخطر بعقول أولئك القدماء من نظريات وآراء، كما أننا حريصون علي أن لا نجهل أو نتجاهل الفروق الأساسية الموجودة بين الأدب العربى وغيره من الآداب الأوروبية بما يستتبعه ذلك من تفاوت كبير في مناهج النقد وموضوعاته ووسائله» (النقد المنهجى ص 6)

-  مندور وسلبيات التراث النقدى

لقد حدد د.مندور مأخذين على النقد القائم على الذوق هما: عدم وجود منهج، وعدم التعليل المفصل (النقد المنهجى ص17)، وذلك ما يطلق عليه الرؤية الانطباعية وما تتسم به من تعميم الأحكام فى التفكير النقدى القديم عند العرب، فتعميم الأحكام يتمثل فى اتخاذ تلك الأبيات المجتزأة معيارًا  للحكم على شاعر أو عصر أو غرض من الأغراض الشعرية.

ويأخذ د.مندور إلى وجهة أخرى فى حديثه عن النقد المنهجى بقوله: «.. والنقد المنهجى لا يكون إلا لرجل نما تفكيره فاستطاع أن يخضع ذوقه لنظر العقل، وهذا ما لم يكن عند قدماء العرب، وما لا يمكن أن يكون، ومن ثم جاء نقدهم جزئيا مسرفًا فى التعميم، يحس أحدهم بجمال بيت من الشعر وتنفعل به نفسه  فلا يرى غيره، ولا يذكر سواه كدأبه فى كل أمور حياته (النقد المنهجى ص 17).

وإذا كانت هذه الرؤية تمثل موقفًا عامًا من بعض سلبيات التراث النقدى يتسم بالموضوعية، فإنه ثمة مواقف أخرى جزئية يبدو فيها مندور متحاملا بشكل ما على بعض المواضع التراثية، ونأخذ لذلك مثلا بمعالجة ابن قتيبة لفكرة البواعث فى عملية الإبداع الفنى فى الشعر قوله «وللشعر دواع تحث البطىء وتبعث المتكلف، منها الطمع ومنها الشوق ومنها الشراب ومنها الطرب ومنها الغضب. «(الشعر والشعراء جـ1 ص78)»، فعلى الرغم من سبق ابن قتيبة إلى التنبه لأهمية الدوافع فإنا نجده قد تعرض لحملة عنيفة من مندور فى تعليقه على عبارة ابن قتيبة السابقة بقوله: «فأما أن الشعر إذا توفرت دواعيه أو ملابساته جاء مطبوعا فقول يبدو ظاهر الصحة وإن لم يكن ثمة تلازم حتمى بين الأمرين، وهذا على فرض أن ابن قتيبة قد فهم معنى التكلف والطبع، وهو لم يفعل» ومع تسليمنا بأنه لا تلازم البتة بين الطبع والدواعى (الدوافع) فالحقيقة أن ابن قتيبة لم يذكر هذا، ولا يشير نصه إليه، فقد اقتصرت إشارته إلى أن للشعر دوافع تحث البطىء وتبعت المتكلف.

- مندور ومنهجية النقد القديم فى قراءة ظاهرة السرقات الشعرية

يذهب د.محمد مندور إلى أن دراسة السرقات دراسة منهجية لم تظهر إلا عندما ظهر أبو تمام، وقد علل:ذلك بالخصومة العنيفة التى قامت حول الشاعر، ثم ذهب إلى أن استعمال لفظ «السرقات»  وليد هذه الخصومة ( ص357، 358)، قد كان السابقون يستعملون مفردات: الأخذ، والسلخ وغير ذلك، كما ذهب إلى أن الدراسة المنهجية تزامنت مع ظهور أبى تمام، بل لعلها لم تظهر إلا فى إطار الخصومة حوله، وذلك لأمرين:الأول: قيام خصومة عنيفة حول هذا الشاعر، ومن الثابت أن مسألة السرقات قد اتخذت سلاحا قويا للتجريح، وكان المؤلفون متعصبين لأبى تمام ومذهب البديع، أو للبحترى وعمود الشعر، والآخر: أنه عندما قال أصحاب أبى تمام إن شاعرهم قد اخترع مذهبًا جديدًا،ولم يجد خصوم هذا المذهب سبيلا إلى رد ذلك إلا بتتبع السرقات الشعرية عنده ورصدها.

والأمر عند الآمدى لا يتجاوز التتبع والرصد، ولذلك فإن المنهجية التى يصف بها د. مندور معالجه الآمدى لظاهرة السرقات فى كتاب «الموازنة»، ليست مستوفاة لما تقتضيه المنهجية؛ لأنك تفتش فى كتاب الموازنة فلا تجد الآمدى قدم مفهومًا محددا للسرقات الشعرية بوصفها مصطلحا نقديا، ولكنه كما ذكرت لك اقتصر على الرصد و الإحصاء، إن المنهجية تقتضى بيان الأسس التى يعتمد عليها فى المفاضلة.

ولعل أول ما يخالف موضوعية المنهجية النقدية التعصب والنظر إلى الظاهرة بالبعد الأخلاقى، ولم تكن معالجة مندور بمنأى عن هذه الصبغة أيضًا وإن اتخذت أشكالا أخرى أقل حدة، إذ انتفى عنها التعصب وإن لم ينتف البعد الأخلاقى، فعلى الرغم من قوله: «ولقد كان لنشأة تلك الدراسات وسط الخصومات أثر سئ فى توجيهها، فرأيناها تسعى قبل كل شىء إلى تجريح الشعراء، ولهذا لم تستقم المبادئ التى اتخذت فيصلاً فيها، كما أنهم لم يفرقوا بين السرقة وغيرها.» (النقد المنهجى ص 359)، فإننا لا نعدم وجود معالجة موضوعية منهجية عنده إذ يرى أن الخروج من هذا المنحى التعصبى يستلزم التمييز بين أربعة أشياء:

أولاً: الاستيحاء: وهو أن يأتى الشاعر أو الكاتب بمعان جديدة تستدعيها مطالعاته فيما كتب الغير، ثانيًا: استعارة الهياكل: كأن يأخذ الشاعر أو الكاتب موضوع قصيدته أو قصته عن أسطورة شعبية أو خبر تاريخى، ثالثًا: التأثر: وهو أن يأخذ شاعر أو كاتب بمذهب غيره فى الفن أو الأسلوب، رابعًا: وأخيرًا هناك السرقات، وهذه لا تطلق اليوم إلا على أخذ جمل أو أفكار أصلية وانتحالها بنصها دون الإشارة إلى مأخذها، وقد تبعه فى هذا غير واحد من المحدثين فى ضرورة التمييز بين هذه الأشياء، منهم أحمد الشايب فى كتابه «أصول النقد الأدبى فى القرن الرابع الهجرى» وأن هذا الكتاب نفسه طبع بعنوان: «النقد المنهجى عند العرب» (القاهرة 1948م)، وممن أخذ هذه العناصر ولم يشر إلى مصدرها د.هدارة فى كتابه: «مشكلة السرقات فى النقد الأدبى» (ص 265، 266)، مما لاشك فيه أن د.مندور كان شاخصًا إلى البعد الأخلاقى عند النقاد القدماء فوصف الذين استعملوا مصطلحات الأخذ والسلخ ولم يستعملوا مصطلح السرقة بالنقاد المجردين عن الهوى، كما وصف بعضهم بالنقاد المنصفين أمثال الآمدى وعبد العزيز الجرجانى» (النقد المنهجى ص 358، 362)، والأمر فى الحقيقة ليس أمر إنصاف أو ظلم بقدر ما هو نقد ينبغى أن يقوم على التحليل.


 

محمد مندور.. وفلسفة النقد

(1907 ـ 1965)

---------

فتحى العشرى

محمد مندور يمثل التيار الواعى فى النقد العربى الذى يرى ضرورة أن يكون للنقد أساس علمى ومنهجى يعتمد على تحليل صياغة العمل الأدبى، فالعلاقات فى اللغة تنشىء الدلالات.. وهذا ما ظهر جليا فى كتابيه «النقد المنهجى عند العرب» و«منهج البحث فى الأدب واللغة»..

ولد محمد مندور فى الشرقية عام 1907 وتعلم فى مدارسها ثم التحق بكلية الحقوق، ولكن الدكتور طه حسين أقنعه بدراسة الأدب فى كلية الآداب، وكان النظام يسمح بالجمع بين كليتين وبالفعل تخرج فى الحقوق عام 1929 وفى الآداب عام 1930.. ودرس فى جامعة السوربون موفدًا فى بعثة استمرت تسع سنوات درس خلالها الاقتصاد السياسى والقانون المالى وعلم الأصوات والأدب الفرنسى وفقه اللغة.. وتنقل الدكتور مندور بين أكثر من كلية ومعهد أستاذًا للنقد بمساندة طه حسين الذى لم يرقه انتماء مندور السياسى المخالف لانتمائه فتسبب فى استقالة مندور من الجامعة وعمل رئيسًا لتحرير صحف الطليعة الوفدية رغم تزعمه التيار التقدمى ضد باشوات الحزب..

ولعل فكر محمد مندور الناضج نتيجة لدراساته الفرنسية والعربية هو الذى هداه إلى المزج بين الفكر الغربى المتقدم والفكر العربى التراثى، على أساس الإفادة قدر الإمكان من الغرب دون الابتعاد عن فكرنا الذى أثر يومًا فى الثقافات والحضارات المختلفة فى عصوره الذهبية، مؤمنًا فى الوقت نفسه أن الفكر العربى لا يتوقف عند القدامى ولكنه ممتد عند المحدثين، فهو لا يغفل الجاحظ والجرجانى وطه إبراهيم وطه حسين وأحمد شوقى مرورًا بعزيز أباظة وتوفيق الحكيم.. أما رشاد رشدى فيعتبره محمد مندور الوجه الآخر لحركة النقد الحديث التى أسسها مندور ونادى بها دون أن يغفل دور رشاد رشدى فى موقفه المضاد، فرشاد رشدى ينادى بالفن للفن ومندور ينادى بالفن للمجتمع، وقد وجدت كل مدرسة من المدرستين أتباعًا ومؤيدين، ونشأت معركة أدبية ونقدية استمرت طويلاً حتى رحيل الزعيمين.. ومثلما تأثر مندور بالرواد المصريين الذين سبقوه، تأثرًا أيضًا بالأساتذة الفرنسيين الذين درس على أيديهم وقرأ لهم مثل لانسون ودى سوسير.. واهتم مندور بالمسرح وبالشعر خاصة الشعر المسرحى أو المسرح الشعرى، ومن هنا دراساته المستفيضة للشعر التفعيلى والمسرح الواقعى، ورغم أنه ينطلق من المفهوم الاشتراكى للأدب إلا أنه اهتم أيضًا بالصياغة، أى بالشكل، فهو من هؤلاء النقاد الذين لايفصلون بين الشكل والمضمون، فهو يرى أن المضمون مهما كان جيدًا دون شكل أو صياغة أو لغة رفيعة لا معنى له، كما أنه يرفض بطبيعة الحال جمال الصياغة فى العمل الحالى من المضمون الجيد والجاد أيضًا..

لقد وصل د.مندور بهذه المفاهيم إلى ما يمكن اعتباره نظرية فى النسبية الأدبية والنقدية لا تقل أهمية عن نسبية أينشتاين العلمية... فالنسبية التى يتمسك بها مندور هى الانتماء لواقع محدد فى عصر بعينه، وهو انتماء يربط بشكل ما بين الماضى والحاضر تطلعًا إلى المستقبل، بحيث ترتبط النظرية الأدبية والنقدية بالفلسفة، أى أن تصدر عن فلسفة تصبح هى الأساس النظرى الذى يؤدى إلى التطبيق العلمى، ولهذا حرص د.مندور فى كل ما قدمه من دراسات نقدية على ما يسمى بالنقد التطبيقى من ناحية والنقد المقارن من ناحية أخرى.. هذا النقد هو أحد طرفى العلاقة الجدلية ارتباطًا أو انفصالاً، أما الطرف الآخر فهو الإبداع الأدبى الذى يرتبط بدوره أو ينفصل عن الواقع الاجتماعى والسياسى وما يحدث فيه من تحولات ومتغيرات..

توفى الدكتور محمد مندور عام 1965 فلم يشهد الهزيمة ولم يعايش النصر، ولاشك أن كليهما كانا سيمثلان بالنسبة لفلسفته إضافة حقيقية!.


 

مندور بين الكلاسيكية وتهافت النقد المعاصر

---------

فتحى إمبابى

فى كتابه نماذج بشرية يتبع الناقد العظيم محمد مندور البحث عن الشخصيات الإنسانية العظيمة التى يتمكن الأدب من خلال صنعها إلى رفعها فى المعرفة البشرية إلى نماذج كلية تخط لنفسها وجودها المتعين من رموز ودلالات فى العقل والثقافة الإنسانية فتصير ألفاظًا دالة أو أمثلة تعبيرية عامة.

إنها القواعد التى تعين جوهر الأدب العظيم والذى يطلق عليه الأدب الكلاسيكى كنوع من التحقير أو التقليل من شأنه لكونه قديمًا أو لا يتسم بالمعايير النقدية الحديثة مثل الجدة والتجديد، وكلاهما مصطلحين مرغوبين أريد بهما باطل.

مع مندور نستعيد المكروه من النقد الحديث وهو المهمة والوظيفة الإبداعية لأحد لأهم الأنشطة الإبداعية المعاصرة وهو الأدب، ونكتشف معه سيرك الحداثة الذى نصبه النقد الرسمى العربى، ووقع فى حبائله الآخرون. ومع مندور نكتشف تحول النقد العربى المعاصر تحت تأثير سلطان النقد الحداثى الذى أنتجته أوروبا والغرب لسيرك كبير يفتقد لاعبوه الحماسة والرغبة فى الإبداع، ومن يمتلك المهارة يقع فى مصيدة النفعية، ومن يروج للنفعية يرفع راية كئيبة اسمها الذات التى تحولت لسلعة، الوجه الآخر لها سيكون احتقار الجماعة والذى يخفى احتقار الناس والشعب، وهو ما سيبرر بطرائق مختلفة. أولها الرفض القاطع للأيديولوجيا، والتى تسطع دائمًا بشتى تجلياتها على المفاصل التاريخية للتحولات الكبرى، هكذا كانت شخصيات مندور ونماذجه «جفروش وفيجارو ودون كيشوت».

إذ إنه دائمًا ثمة أيديولوجيا جديدة إما أنها تولد من رحم القديم أو تعدل نفسها وتتطور بما يتلاءم مع التغيرات التاريخية الكائنة، لكن الرفض على إطلاقه غير مقبول وغير ممكن، وكل مثقف يعمل فى مجال الإنسانيات والفنون والآداب يعلم أن كل تعيب للأيديولوجيا هو أيضا أيديولوجيا، ومن المعروف أيضا أن عدم وضوح هذا الغياب وتحديد أبعاده وشروطه وأسبابه بوضوح هو نمط من السياسات العقائدية التى تصب بشكل مباشر أو غير مباشر فى الاتجاهات اليمينية المحلية والعالمية.

سيرك الحداثة

توالت على ساحة النقد الأدبى بشكل متصارع مصطلحات متعددة صعب على العاملين فى مجالات النقد استيعابها أو هضمها فضلا عن تمصيرها وإعادة إنتاجها بما يجعلها تتلاءم مع خصوصيات الهوية الوطنية والقومية، أصبحنا نجد حذلقة استخدام المصطلح والهجوم غير المبرر المصحوب بسيل من أسماء كتاب غربيين يتم إعلانها بوصفها مرجعيات ومعايير للكتابة بدلا من إبداع حداثة عضوية.

النتيجة مجزرة للأدب والشعر والمبدعين، ورايات زائفة ونجوم أشد زيفا وكتابات تكبح قدراتها ومواهبها لتعيد تكيفها وضبطها كى تكون مقيدة بحدود السكة الحديدية للمفاهيم النقدية المروج لها، قبل التجربة الإنسانية بعالمها الواسع الرحب، ولبهلوان الذات الذى تم تعريته فى ساحة السيرك بوصفه عملا غنيا إنسانيا لا تخوم ولا حدود له.

فى سيرك الحداثة ستلقى بثلاث وحوش مخيفة.

الأول:  ابتذال المصطلح الذى يجرى استخدامه بعد تفريغه من أهم شروطه الموضوعية.

الثانى: الشكلانية اللغوية التى تعلن عن احتقارها للتحليل النقدى الذى يعتمد المعنى والمضمون، مفضلين أن يترفع النص عن أى تحليل ينطوى على قيمة، والتركيز على الشكل، تلك المقولة التى تتعدد صورها فتصير حينا الأسلوب وحينا آخر اللغة. وجميعها تفتقد الأدوار الدالة والمفسرة لعمليات الإحصائيات والتحليل.

الثالث: تهافت المجتمع النقدى الثقافى بين انهيار الصروح الأكاديمية وسقوطها فى مستنقع الانهيارات العلمية والأخلاقية وبين سيادة مفاهيم النفعية، والواقع الاجتماعية المادى المأزوم، وانهيار جمهرة المتلقى تحت سطوة الميديا الموجة.


 

بطل إلياذة الديمقراطية فى مصر

---------

فتحى عبد الفتاح

محمد مندور هو واحد من ثلاثة اقتربت منهم وتتلمذت على يدهم وكان لهم أكبر الأثر والتأثير على مجرى حياتى الفكرية والعملية.

ثانيهم هو لويس عوض وثالثهم عبد الرحمن الشرقاوى.

ولعله ليس من الغريب أو المثير أن هذا الثلاثى الذى يمثل فى تقديرى هرم التنوير الثانى فى مصر ـ هرم التنوير الأول محمد عبده وطه حسين ولطفى السيد ـ جمعته سمات وقسمات مشتركة ربطته وميزته فى نفس الوقت عن الجيل الأول.

فثلاثتهم عمل فى مجال الفكر والسياسة والثقافة وخاضوا تجارب عملية دفاعًا عن فكرهم وسياستهم وثقافتهم ودخلوا السجون والمعتقلات دفاعًا عن معتقداتهم حيث ارتبطت لديهم الكلمة بالفعل.

وثلاثتهم تتلمذ على يد الرائد الأول طه حسين حيث اقتربوا منه وكانوا من عشاقه ومريديه وإن اختلفوا معه وزادوا فى أفكارهم وتوجهاتهم.

وثلاثتهم احتك وبشكل عملى بالثقافة الغربية الأوروبية وعاشوا تلك المجتمعات فى فرنسا وإنجلترا طلبًا للعلم والمعرفة، وتميزوا مثل أستاذهم بالغوص فى أعماق الثقافة والحضارة الأوروبية والتحاور الإيجابى معها، ولم يقعوا فريسة الانبهار الذى يعمى الأبصار أحيانًا عن بعض المثالب، كما أنهم لم يأخذوا موقف الرفض والإدانة مثلما فعل كثير من الدارسين الذين ذهبوا إلى تلك المجتمعات وعاشوا فى جيتو التخلف والرفض.

وثلاثتهم قدموا نموذجًا طيبًا للمثقف الموسوعى الشامل الذى جمع بين الثقافة والفكر والأدب والسياسة، وكانت لهم إبداعات فى تلك المجالات المختلفة ولكنهم كانوا فى الأساس رموزًا فكرية ناقدة وفاعله فى الوقت نفسه فى الحياة الثقافية والسياسية.

وثلاثتهم وضع الديمقراطية والحرية على رأس أولوياته وارتبط لديهم ذلك بمفهوم متقدم يربط الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

وثلاثتهم عاش المرحلتين المهمتين فى مصر المعاصرة فى القرن العشرين، مرحلة الليبرالية والحركة الجماهيرية والثقافة المنتجة وحركة الإبداع الشامل التى جادت بها ثورة 1919 وأخرجت قممًا ثقافية وفكرية وأرست تقاليد ليبرالية وديمقراطية مثل الدين لله والوطن للجميع، والدفاع عن الدستور على أساس أن حرية المواطن هى المضمون الحقيقى لحرية الوطن.

كما عاشوا مرحلة يوليو بكل ما جاءت به من شعارات كانوا يبشرون بها وبكل ما قامت به من تجاوزات وإجهاضات للحلم والفشل فى بناء الدولة العصرية الديمقراطية والقهر الذى تعرض له الإنسان المصرى.

وإذا كان لويس عوض قد شبه نفسه بأجاكس ومندور بأخيل أبطال الإلياذة فى يوميات طالب بعثة، فإنى أختار لعبد الرحمن الشرقاوى اسم يوليسوس بطل الأوديسا الذى كان أكثرهم فى مرحلة لاحقة مواجهة للعواصف والأنواء، وأكثرهم قدرة على محاولة التغيير من الداخل والتكيف من أجل الاستمرار والتأثير والتغير.

عرفت محمد مندور وأنا طالب ثانوى وقد كان هناك فى تلك الفترة فى الخمسينيات اتحاد قوى لطلبة المدارس الثانوية لا تقل أهمية عن اتحادات الجامعة، وكنا ننتمى مثل الكثيرين من جيلى الباحثين عن مصر الديمقراطية الحرة إلى الشباب الوفدى.

فى تلك الفترة كان مندور يرأس تحرير صوت الأمة، بعد أن صودرت الوفد المصرى التى كان يرأس تحريرها، وكان قد نجح فى انتخابات 1949عن دائرة السكاكينى، وهى الانتخابات التى يعتبرها المؤرخون أكثر الانتخابات ديمقراطية فى القرن العشرين، وهى الانتخابات التى جاءت فى أعقاب احتقان وطنى واجتماعى شديد فى أعقاب الحرب العالمية الثانية وغرقت مصر فى حملة الاغتيالات والاعتقالات المضادة التى قام بها الإخوان المسلمون والسراى فى ذلك الوقت.

فى تلك الانتخابات المهمة والفارقة فى التاريخ المصرى حصل حزب الوفد على أكثر من .7% من المقاعد بينما سقط فى تلك الانتخابات كل مرشحى الإخوان المسلمين وقياداتهم التاريخية مثل سيد قطب والهضيبى وسيد سابق وكامل التلمسانى وكان من أبرز النتائج فى هذه الانتخابات هو نجاح رموز مهمة فى الشبيبة الوفدية مثل محمد مندور ومصطفى موسى وأحمد ترباى وعزيز فهمى وأحمد الخواجة وسيد البكار وكانت الطليعة الوفدية فى ذلك الوقت تمثل الجناح اليسارى داخل حزب الوفد.

فى تلك الأيام فى أثناء السنة الأولى لحكم الوفد والزعيم الوطنى الديمقراطى النحاس حاولت بعض الاتجاهات اليمينية المحافظة داخل الحزب مصالحة السراى وذلك بضرب نفوذ الطليعة الوفدية ورمزها الأكبر محمد مندور الذى كان يرأس تحرير صوت الأمة وأحمد أبو الفتح رئيس تحرير المصرى وأوعزت إلى اسطفان باسيلى عضو مجلس النواب بالتقدم ببعض التشريعات المقيدة لحرية الصحافة (أيدها مصطفى أمين وعلى أمين وهيكل فى ذلك الوقت).

وقام مندور وأبو الفتح وعزيز فهمى أعضاء الطليعة الوفدية من الصحفيين فى ذلك الوقت بشن حملة جماهيرية ناجحة ضد القوانين المقيدة لحرية الصحافة وكشفوا المؤامرة الأمر الذى دفع البرلمان إلى رفضها.

وردًا على ذلك قام الجناح المحافظ فى حزب الوفد الذى كان ممثلاً فى فؤاد سراج الدين بشن حملة اعتقالات ضد من أسماهم بالشيوعيين مثيرى الشغب وكان منهم عدد لا بأس به من شباب الطليعة الوفدية.

وأيامها وكان ذلك فى أوائل سنة 1951 قرر شباب الوفد بإيعاز من محمد مندور وعزيز فهمى أن يلتقى ممثلو الشبيبة الوفدية فى المدارس الثانوية والجامعات بالزعيم مصطفى النحاس والالتقاء معه صباحًا فى منزله وقام مندور بترتيب اللقاء ونزل إلينا الزعيم الديمقراطى البسيط فى الروب فى صالة الفيلا التى يقيم بها فى جاردن سيتى، وبدأ مندور وعزيز فهمى وأحمد ترباى والسيد البكار بالتناوب يشكون من أن وزارة الداخلية ألقت القبض على عدد من الشباب الوفدى وكيف يحدث هذا فى حكومة الوفد ومصطفى النحاس.

التفت النحاس إلى سراج الدين الذى سارع إلى الفيلا بعد ما عرف بأمر المظاهرة وقال سراج الدين لا يا رفعة الباشا إنهم ليسوا وفديين وإنهم شيوعيون.

وصحنا فى صوت جماعى نحتج، وقال مندور... يا رفعة الباشا شيوعيون ولا وفديون كلهم أصحاب رأى كيف يعتقلون فى حكومة مصطفى النحاس التى تدافع عن حرية الرأى والفكر والعقيدة.

ويومها قال مصطفى النحاس وبصوت عال موجهًا حديثه إلى سراج الدين.

شيوعيون ولا هباب أزرق أفرج عنهم فورًا يا فؤاد

وهتفنا بحياة الزعيم الديمقراطى.

(اللقاء مسجل فى كتاب الخروج الصادر عن دار سينا للنشر سنة 1985).

أما المرة الثانية، لقد كانت أمام أحداث سنة 1954 الشهيرة والجامعة بطلابها وأساتذتها يطالبون بعودة الجيش إلى الثكنات وعودة الدستور وإطلاق الحريات.

وكنت قد عرفت مندور عن قرب من خلال صديق فى الكلية فى قسم الفلسفة هو وجيه سمعان الذى اختاره مندور مساعدًا له فى مجلة الشرق.

كما أن العلاقة الحميمة التى كانت تربط بين أستاذى وصديقى فى قسم اللغة الإنجليزية لويس عوض ومحمد مندور جعلتنى واحدًا ممن ترددوا كثيرًا على عمارة القصر العينى الشهيرة حيث كان يسكن لويس عوض، وبيت الروضة الشهير حيث يسكن مندور.

ذلك اليوم من أيام هبة مارس المجيدة سنة 1954 قامت الدبابات والمصفحات بضرب مظاهرة كبيرة لطلبة جامعة القاهرة على كوبرى قصر النيل الأمر الذى أدى إلى سقوط كثير من الطلبة فى النيل، وكان بجوارى صديقى وجيه سمعان الذى اختفى وحسبت أنه قد أصابه مكروه واتجهت إلى منزل مندور فى الروضة أبلغه.

واستقبلتنى زوجته الرائعة الشاعرة ملك عبد العزيز وهى تضع إصبعها على فمها لتحذرنى من الصياح.. وعرفت منها «أن الدكتور فى غرفة المكتب يستمع إلى السيمفونية التاسعة لبيتهوفن، ولم أبالى بتحذيرات الشاعرة ملك، وفتحت الباب ووجدت مندور منفردًا على كرسى الفوتيل فى استرخاء وحين لمحنى أشار بيده لأن أجلس وأغلق الباب وهو يضع أيضًا إصبعه على فمه.

وأجبرنى ذلك على أن أظل صامتا فى غرفة مكتبه لمدة تزيد عن الساعة، وأنا الذى جئت إليه منفعلا فى أمر عاجل يخص تلميذه ومعاونه وجيه سمعان، لا لشىء إلا أنه كان يستمع إلى السيمفونية التاسعة لبيتهوفن.

وقال لى يومها وقد أحس بأنى كنت طوال فترة الصمت فى حنق وضجر واحتجاج.

اسمع يا ابنى إذا لم تستطع أن تستوعب جميع الأشكال الفنية الجادة وتتفهمها فلن تستطيع أن تقتحم جوهر الأمور، إذ لابد من أن تكون أحاسيسك مثقفة ومتحضرة وإنسانية ومعمقة، هذا إذا كنت تريد أن تكو ن مؤثرًا أو نافعًا.

وأنا أنصحك بهذه الحال التى أنت عليها بالابتعاد عن مجال الإبداع والابتكار والعمل العام.

وقد كان على أن انتظر فترة أخرى من النضج الذهنى والروحى لأدرك أهمية هذا الترابط والتوحد الفنى بين كل أشكال الإبداع والابتكار فى الحياة.

وفى مرحلة لاحقة أدركت أن مندور مر بتجربة شبيهة فى باريس والسوربون حين دخل على أستاذة الفرنسى منفعلاً ومحتجا على أفكار سمعها عن حرية الإرادة لدى الإنسان لأنه كان يعتقد فى ذلك الوقت أن إرادة الإنسان الحرة ليست سوى وهم كبير، وأن الفرد لا يملك لنفسه شيئًا فهو مسير فى كل ما يفعله ويقوله.

وهنا قال له الأستاذ الفرنسى. أوصيك يا بنى ما دمت بهذه العقلية أن تعود إلى بلدك وتحرث الأرض مع ابنك فهذا أجدى لك ولبلدك (أوراق لم تنشر - محمد مندور ).

لقد اخترت لمندور رجل الفكر والسياسة المدافع عن الديمقراطية وعن حوار الحضارات وتلاقحها موقفين أو مشهدين فى تاريخ مصر المعاصرة أحدهما فى مرحلة الازدهار الليبرالى والثقافى والزخم الرائع الذى جاءت به ثورية 1919 الجماهيرية.

والثانى بعد ثورة يوليو الفوقية التى رفعت شعارات رائعة ولكنها فى نفس الوقت أجهضت كل الأحلام التى كانت قابلة للتحقيق أيامها، وفى كلال الموقعين كان مندور هو البطل الأسطورى - أجاكس - المدافع عن مصر الديمقراطية، مصر العدالة الاجتماعية، مصر الحضارة الثقافية وحرية الإبداع.

مصر التى هى ملك لكل أبنائها وبناتها من المنتجين والمبدعين بعيدا عن أسوار الخوف والكبت والقهر.

ودفع ثمن ذلك غاليًا.

 


 

فن الأدب

بين الالتزام الاجتماعى والوظيفة الجمالية

مساجلة محمد مندور ورشاد رشدى فى مطلع الستينيات

---------

ماهر شفيق فريد

لدى صدور كتاب الدكتور رشاد رشدى «ما هو الأدب» فى سنة 1960، خاض الدكتور محمد مندور ـ يسانده، بدرجات متفاوتة، نقاد آخرون مثل لويس عوض وغنيمى هلال والقط وفؤاد دوارة ـ معركة ضد مفهوم الأدب الذى جاء به رشدى ـ نقلاً عن مدرسة النقد الجديد الأنجلو ـ أمريكية ومنبعها ت.س.إليوت ـ وكان يسانده نقاد أغلبهم من شباب هيئة التدريس فى قسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب، جامعة القاهرة (عبد العزيز حمودة وآخرون). وكان مدار هذه المعركة قضية فن الأدب بين الالتزام الاجتماعى والوظيفة الجمالية.

وقد سجل مندور موقفه من آراء رشاد رشدى فى عدد من مقالات كتابه «معارك أدبية» (دار نهضة مصر للطبع والنشر، د.ت). على كون هذه المقالات أقرب إلى الطابع الصحفى السريع ـ بحكم نشرها فى جرائد يومية ومجالات أسبوعية ـ فقد تضمنت بعض آراء صائبة وتأملات ثاقبة استنادًا إلى تكوين مندور العلمى والأكاديمى الصلب الراسخ، فى فترة بعثته الدراسية الطويلة إلى فرنسا بخاصة، وانفتاحها على مختلف الثقافات، وهو فى هذا يتفوق على رشدى الذى كان أكثر انحصار فى مجال الأدب الإنجليزى والأمريكى (بل فى مناطق محدودة منه)، مع إلمامات ببعض آداب أخرى كنظريات أرسطو فى النقد وأدب تشيكوف وبراندلو ويونسكو وغيرهم.

ويلحق بهذه المعركة حول طبيعة الأدب ووظيفته ما كتبه مندور عن مسرحية رشاد رشدى «لعبة الحب» ورد هذا الأخير على مندور.

ورغم أن صاحب هذه المداخلة من تلامذة رشدى القدامى، وأقرب إلى تصوره للأدب والنقد، فإن الأمانة تلزمه بأن يقول إن مندور كان هو الفائز فى هذا السجال. ذلك أنه كان أقرب إلى الموضوعية وإلى الفهم الصحيح لمفهومات من قبيل «الأدب والمجتمع» و«الفن للفن» وغيرها، على حين جنحت كتاية رشدى إلى الإثارة الصحفية والتسطيح وهو ما يتجلى فى عناوين مقالاته مثل «أراد مندور أن يحطم مسرحيتى بعضلات مصارع.. وعقل طفل!» (جريدة الجمهورية 27/4/1962، على أن العنوان قد يكون من وضع محرر الصفحة).

وحين ننظر ـ بعد أكثر من أربعين عامًا ـ إلى حصاد معركة مندور ورشدى نجدنا منتهين إلى نتيجة مؤداها أنها لم تكن بعمق معارك مندور مع زكى نجيب محمود ومحمد خلف الله وغيرهما حيث إن طرف الخصومة ـ رشدى ـ لم يكن من قامة هؤلاء الرجال، ولا يملك جديتهم وتنزههم عن الغرض، وإنما كان يسعى إلى توطيد مكانته فى الحياة الأدبية وخلق معارك لافته للنظر.

ومع ذلك آتت المعركة بعض ثمار نافعة كتوضيح بعض مفهومات النقد، ووضعه فى بؤرة أشد سطوعًا تلك المعضلة الأبدية: معضلة التوفيق بين استغلال الأدب، من حيث هو فن جميل، ووظائفه الاجتماعية ودوره فى خدمة المجتمع.

وتظل مساجلة مندور ـ رشدى أهم معركة أدبية عرفتها حياتنا النقدية منذ الستينيات إلى أن نصل إلى مساجلة جابر عصفور وعبد العزيز حمودة فى أواخر التسعينيات حول كتاب هذا الأخير «المرايا المحدبة: من البينونة إلى التفكيك»(1998). إذ لا يُنكر ما بثته مساجلة مندور ورشدى من حيوية فى مشهد أدبى راكد، وما استدعته من مساهمات قيمة لأمثال عبد القادر القط وغنيمى هلال، وما وضعته من مسلمات (أو توشك أن تكون كذلك) موضع المساءلة والنقاش.


 

محمد مندور  وجهوده النقدية

من خلال كتابه «النقد المنهجى عند العرب»

---------

محمد خليل نصر الله

للدكتور محمد مندور موقفه الواضح من قضايا اللغة والأدب والنقد ومناهج البحث؛ فهو يرى ضرورة الاستفادة من تجارب الباحثين الأوروبيين لما حققوه من تقدم كبير ومفيد، وفى الوقت نفسه يذهب إلى أن كتب التراث العربى تذخر بكنوز كبيرة وحقائق مهمة، لا تزال قائمة تنمو وتتنفس، ولن تكون الاستفادة صحيحة وعميقة إلا بعد دراسة هذا التراث واستخراج ما فيه من كنوز فى ضوء المناهج الحديثة، وبذلك تصبح الاستفادة استكمالاً لما لدينا من نقص، وليست انسلاخا من أصولنا، أو ارتماء فى أحضان غيرنا.

وبهذا الجمع الواعى بين ما هو عربى أصيل، وما هو غربى نافع، راح يتابع نشأة النقد العربى وتياراته، وهى تنمو وتنتقل من مرحلة إلى مرحلة، ومن طور إلى طور، وتبعًا لذلك قسمه إلى قسمين كبيرين:

-        نقد مرتجل، يقوم به الشعراء ومحكمى الأسواق.

-        نقد منهجى، تدعمه أسس ونظريات وتطبيقات عملية.

وعلى مهل وتؤدة؛ تتبع التراث النقدى العربى، ثم طرح منه القسم الأول جانبًا، لأنه يقوم على أحكام انفعالية جزئية غير منهجية، وقد يقفز إلى تعميمات سطحية، فيجعل من شاعر ما أشعر الشعراء لبيت قاله فى مناسبة، أو لمقطوعة صنعها، فأعجب بها هذا، أو طرب لها ذاك.

وأما القسم الثانى، فقد اصطبر له، وتتبعه فى ضوء المنهج التاريخى الذى استقر لدى الباحثين الأوروبيين منذ مطلع القرن التاسع عشر، ورأى أنه يقوم على آراء متخصصة، ومدارس نقدية واضحة، ومع أن هذه الآراء تتمثل فى خصومات، وموازنات، ووساطات، فإنها تشكل حلقات متصلة، وبفضلها يمكن أن نجدد معرفتنا بتراثنا، ونزيد من فهمنا له والاستفادة منه، ثم نحاول أن نصل به إلى مصاف الآداب العالمية دون أن نقع فى تبعية أو استسلام.

ومن خلال ذلك؛ عقد فصولا متوالية، تناول فيها مراحل النقد العربى المنهجى وتياراته، والأسس التى قام عليها، ومن أهم هذه المراحل ما يلى:

النشأة التاريخية على يد ابن سلام الجمحى وابن قتيبة؛ حيث أملت عليهما طبائع الأشياء أن يكون المكان والزمان هما الأساس الجوهرى لوضع تاريخ للشعر العربى، وذلك واضح فى كتاب «طبقات الشعراء» لابن سلام، إذ قسم الشعراء زمانًا إلى جاهليين وإسلاميين، ومكانًا إلى قرويين أو إقليميين، وشعراء العرب عامة.

- ظهور مذهب البديع على يد ابن المعتز وتحديده لخصائصه ووضع اصطلاحاته، مما كان له أثره الكبير والمباشر فى دخول النقد مرحلة جديدة، وفقًا لمعايير محددة.

- محاولة وضع علم للشعر على يد قدامة ابن جعفر، يقوم على منهج شكلى مجرد، فحد بذلك للنقاد حدودًا يختصمون حولها، ويحتكمون إليها.

-  الخصومة بين أنصار أبى تمام ومعارضيه حول مذهبه فى إعلاء شأن البديع مما أثار حركة النقد فى القرن الرابع الهجرى.

- ظهور فن الموازنة على يد الآمدى، ودخول النقد مرحلة جديدة، فلم يعد يوازن بين طبقة وأخرى أو شاعر وآخر، وإنما يوازن بين نقد ونقد، وينتهى من نقد النقد إلى رأى يرى أنه هو الصواب والحق.

-  احتدام الخصومة حول المتنبى، وتحولها إلى تجريح له ولشعره، ثم انتهاؤها بالوساطة بينه وبين خصومه.

-  انصراف النقد من الخصومات والموازنات والوساطات على يد أبى هلال العسكرى إلى إعلاء شأن اللفظ، وتقسيمات البديع المختلفة.

ظهور عبد القاهر الجرجانى، ومقاومته الشديدة لتيار اللفظية، وذهابه إلى أن الألفاظ خدم للمعانى، فتحول النقد على يديه إلى بلاغة.

ومن خلال هذه المراحل استطاع الدكتور مندور أن يعالج كثيرًا من القضايا النقدية، ويبسط رأيه فى ظل ازدواجية المعالجة التى آمن بها ودعا متحمسا إليها، وانتهى إلى أراء جديدة، أضافت إلى المكتبة النقدية العربية ما يسد ثلمًا، فاستحق بذلك أن يظل حيا فى ذاكرة الأمة العربية وأبنائها، وإن وارى جسده التراب..

رحم الله الدكتور مندور رحمة واسعة.


 

نقد محمد مندور من الوجهة التكاملية

---------

محمد عبد الحميد خليفة

لقد برهن مندور على أنه أحد جيل الرواد الذين حملوا على عاتقهم عبء التنوير فى مرحلة مفصلية من تاريخ ثقافتنا العربية، وكان يحمل داخله مشروعًا ثقافيا كان لطه حسين أثره الواضح فى توجيهه هو وآخرين من رواد جيله.

غير أن مندور كان رجلاً متعدد جوانب العطاء الثقافى، توزعته أنشطة شتى أدبية وصحفية وسياسية، خلف وراءه تراثنا أدبيا ونقديا لا يمكن للدارس تجاوزه أو إهماله, ومن هذا التراث الثقافى يقع تراثه الأدبى النقدى فيما كتبه من دراسات أدبية ونقدية على المستويين النظرى والتطبيقى ولقد وقع كثير ممن تناولوا مندور بالنقد والدرس فى خلط حينما وصفوا نقده فمنهم من وضعه ضمن النقاد التأثريين ومنهم من حمله على النقاد الأيديولوجيين أو الاجتماعيين إلى آخر تلكم المصطلحات الواصفة لنقده، ولعل مندور نفسه قد أوقع أولئك فى ذلك اللبس عندما قسم بنفسه مراحله النقدية إلى ثلاث: تأثرية وتحليلية وأيديولوجية.

غير أننى فى هذه الورقة أحاول النظر مرة أخرى إلى نقد مندور وإعادة تصنيفه من زاوية المنهج الذى اتبعه فى دراساته الأدبية التطبيقية، وقد حاولت تطبيق ما أسميته «الاتجاه التكاملى» على نقده التطبيقى، وأعنى بالتكاملية دراسة الناقد للنص الأدبى فى ضوء سياقية الخارجى والداخلى معًا، أى فى ضوء المناهج التاريخية والاجتماعية والنفسية والفنية التى حكمت بعضها أو جميعها الناقد فى درسه للنصوص، إيمانًا فى ظنى بجدوى هذه الطريقة فى كشف دلالات النص فى ضوء النظرة إليه نظرة شمولية غير أحادية تفيد من شتى المنجزات العلمية والمعرفية فى إطار نظرة توفيقية لا تلفيقية.

وقد حاول البحث وصف نقد مندور التطبيقى فى شتى مراحله المتعاقبة، والإشارة إلى ما انبنت عليه من فلسفة تجمع بين العلم والفن معًا، ولم يتقيد البحث سوى بالنماذج النقدية التى قدمها مندور وجرب فيها مناهج تاريخية ونفسية واجتماعية إلى جانب المنهج الفنى بالطبع، وبصيغة أخرى كيف استطاع النص الأدبى المدروس أن يحدد لمندور مناهجه التى تناسبه، وكيف استطاع مندور ذاته أن يفيد من جملة هذه المعارف لإثراء النص مثل درسه لنصوص نعيمة (فى المرحلة الأولى)، والشابى ومطران وإسماعيل صبرى فى مرحلته الثانية التحليلية.

وقد حاولت هذه الورقة أن تؤكد جدوى الدراسة الشاملة المتكاملة فى مقابل ألوان أخرى من الدراسات الحداثية التى اتكأت على رؤى أحادية.

وهى على أيه حال طريقة جديدة تدخل ضمن نقد النقد وتحاول شق سبيل اجتهادية لوصف المنجز النقدى.


 

محمد مندور والنقد الثقافى

---------

محمد عبد المطلب

بدأت الدراسة بطرح أساسيات النقد الثقافى الذى استفاض فى المرحلة الأخيرة. مع تحديد علاقة هذا النقد بالتوجهات اللغوية بدءا بالبنية الصغرى (المفردة) وصولاً للبنية التركيبية بكل بعدها الثقافى، صعودا إلى البنية الكبرى (النص) وعلاقتها بمجموع الأيديولوجيات فى مستوياتها المتعددة.

وقد خلصنا من هذه المقدمة إلى أن الذاكرة الثقافية احتلت منطقة المرجعية التى سادت فى زمن المحاكاة، ومن ثم استحال النص إلى (منتج) بفتح التاء، بعد أن كان (منتج) بكسر التاء؟ أى أن إيجابية النص فى مرحلة الحداثة، تحولت إلى سلبية فيما بعد الحداثة، وبخاصة أن جملة أبنية النص قد أصبحت رموزًا وأقنعة تضمر أكثر مما تصرح، وتعتمد المسكوت عنا والمهمش.

تصل الدراسة من هذا التمهيد إلى مرحلة (القراءة الثقافية) التى رأت أن بدايتها الحقيقية كانت مع طه حسن، وانتقلت منه إلى جمهرة تلاميذه، وفى مقدمتهم (محمد مندور)

ويلاحظ أن هذه القراءة الثقافية لم تكن أحادية المسار، فهناك القراءة التى أتاحت للثقافة أن تهيمن على النص، حيث استجابت نصوصها لهذه الهيمنة، وهناك نصوص قاومت هذه الهيمنة، وتمسكت باستقلاليتها إلى حد كبير، ثم هناك فى القراءة الثقافية مسار غلب فيه (الرفض للرفض)

وفى رأينا أن مندور أحد القراء الثقافيين الأوائل، ففى مرحلته الأولى تبنى (النقد الجمالى) وبخاصة فى كتابه (فى الميزان الجديد) وقد حدد أفق هذه المرحلة بأنها تربط الجمال بالتأثر، لأن القارئ يعتمد على مجموع انطباعاته التى تخلقها الأعمال الأدبية على صفحات روحه.

ولا يغيب عن مندور ارتباط هذا الوعى الجمالى بالوعى اللغوى، ومن ثم أطلق مقولته: (اللغة هى المادة الأولية للأدب... وذلك لأن الفكرة أو الإحساس لا يعتبران موجودين حتى يسكنا إلى اللفظ)

أما المرحلة الثانية فى مسيرة مندور، فهى التى أطلق عليها (النقد الوصفى التحليلى) وفى هذه المرحلة أضاف مندور بعض التوجهات الأسلوبية، ومن المهم أن نلحظ أن مندور قد تنبه إلى أن بعض التحليلات تمتزج بما يسيطر على المحلل من معتقدات دينية وسياسية ووطنية وعنصرية، ولابد للتحليل الصحيح من أن يتخلص من هذه الأمور السابقة، وأن يكون الاحتكام للعقل، والاحتكام للعقل يقود ضرورة للثقافة، والخلل النقدى إنما يكون من ضيق الأفق، وفقر الثقافة.

وتأتى المرحلة الأخيرة فى مسيرة مندور وهى مرحلة (النقد الأيديولوجى) وهى التى نراها أوغل فى النقد الثقافى، من حيث ربط وقائع المجتمع بوقائع الإبداع، وقد صرح مندور بأن هذه المرحلة كانت وليدة اهتمامه بالقضايا العامة وركائزها السياسية والاجتماعية، وهو اهتمام تسانده عقيدة الفلسفة الاشتراكية.

وقد وضعنا مندور على أعتاب القراءة الثقافية خلال متابعتنا لمراحله الثلاث التى اعتمدت على ركيزتين فى مسيرته النقدية

الأولى: أن الأدب تعبير عن التحولات الفكرية والروحية والجمالية السائدة.

الأخرى: أن الأدب ثم النقد يعبران عن أسلوب الحياة الذى يسود شعبا ما، أو جماعة ما، أو حقبة ما.

لقد استحضر مندور فى ممارساته النقدية مراحله الثلاث مستعينا بالذاكرة الثقافية لغويا وأدبيا وفكريا وجماليا.


 

البعد الثقافى فى الخطاب النقدى لمحمد مندور

---------

محمد مهدى غالى

اتسع مفهوم النقد الأدبى لدى محمد مندور، فلم يعد منحصرًا فى نطاق النصوص الأدبية، أو فى إطار ثقافة النخبة، بل كان له فضل الريادة فى الدعوة إلى أن يمتد دور النقد ليشمل ما تقدمه أجهزة الثقافة الجماهيرية، ودعا النقاد منذ المقال الأول الذى كتبه فى أثر عودته من بعثته إلى فرنسا عام 1939 إلى الإسهام فى صياغة المادة الثقافية التى تقدمها هذه الأجهزة والى نقد ما تقدمه، بل خصص لدراسة الدور الذى تضطلع به كتابه «الثقافة وأجهزتها» 1958، وحدد هذا الدور بما يمكن إيجازه فى إعادة تشكيل عقل الإنسان المصرى ليكون قادرًا على التكيف مع المجتمع الجديد، كما رأى أن الأساس الثقافى الموحد لأبناء هذا المجتمع من شأنه أن يصحح الخلل الذى استشعره فى البناء الاجتماعى وأن يكسب المجتمع وحدته بعد أن تمزق إلى طوائف منعزلة.

 


 

محمد مندور والإسقاطات السياسية

فى المسرحيات العالمية المترجمة

---------

محمد نصر مهنا

سوف يتم الالتزام فى ورقة البحث بالتعبير الاصطلاحى كلهجة للمعرفة العلمية مخاطبًا بذلك المتخصصين والناقدين للمسرح العالمى والرأى العام العربى على السواء، فى سياق التحليل الموضوعى الصرف كمنهج للمعرفة السياسية الصادقة، وسوف يتم الالتزام بالمنهج المقارن لمزيد من الإمعان فى الموضوعية التى التزم بها الناقد الكبير محمد مندور إسقاطاته السياسية فى بعض المسرحيات العالمية المترجمة.

فى هذا السياق ناقش الناقد الكبير محمد مندور هذه المواقف التى لا يمكن الحكم عليها فى الوقت الحاضر بالطبع بأحداث الفترة الزمنية التى عاشها والتى تعتبر من وجهة نظر الباحث بمثابة فترة ذهبية فى المسرح العالمى وانعكاس ذلك على المسرح المصرى بالطبع، حيث ثبت فى ذهن الناقد الكبير محمد مندور على سبيل المثال القضايا التى أثارها الدكتور على الراعى فى رسالته للدكتوراه عن برنارد شو، وفى منهج علمى دقيق عرض للكثير من القضايا السياسية والفنية والفكرية، وقد تمت ترجمة هذه الرسالة الجامعية القيمة إلى اللغة العربية.

انطلاقًا من هذه الإطلالة فإن رؤى الناقد الكبير محمد مندور بشأن «برنارد شو» والتى وافق من خلالها على ما عرضه الدكتور/ على الراعى، فإن «برنارد شو» كاتب اشتراكى سخر المسرح لتجسيد العديد من المبادئ الاشتراكية رغم أنه يعتبر من كبار المتمردين على الاشتراكية العلمية التى وضع «كارل ماركس» مبادئها، واعتنق برنارد شو أهمية الإرادة البشرية فى تطوير الحياة الاجتماعية للشعوب، ويعلق الناقد الكبير محمد مندور على ذلك بقوله: «إن أكبر الظن أن شو لم يخطئ فى هذه النظرة حيث إن الاشتراكية لم تتحقق فى أى من بلاد العالم على نحو ما كان يظن «كارل ماركس» عندما زعم أن الاقتصاد الرأسمالى ستتابع عليه الأزمات الدورية نتيجة لاتساع الهوة بين القدرة على الإنتاج الرأسمالى وتخلف القدرة على الاستهلاك نتيجة لضعف القوة الشرائية عند الملايين المستغلة (بفتح الغين).

جملة القول أن محمد مندور قد اختط خطا مستقلاً فى عرضه لكثير من المسرحيات العالمية المترجمة، وفى إسقاطاته السياسية على أسس قيمية أساسية وأهداف عليا طبقًا للتصور الغربى حتى مع ترجمتها للعربية.

هناك مسرحية أخرى تتسم بأنها اجتماعية سياسية فلسفية فكاهية هادفة تعكس شخصية مؤلفها «موريس دو كوبرا» وهو كاتب قصصى وأديب صحفى عانى من ويلات الحربين العالميتين، فسبرت أغواره وتطلع إلى مزيد من الكشف والابتكار وسخر مواهبه فى تحليل الإنسان والمجتمع، فجاءت هذه المسرحية مثالا رائعًا فى شكلها وتركيبها وتناسقها بل ومادتها أيضًا.

وفى مقاله الرائع «كل ميسر لما خلق له» عالج محمد مندور بعمق مسرحيتين عالميتين تتفقان على فكرة واحدة هى القول المأثور كل ميسر لما خلق له.

أما من حيث الوجودية كمذهب فلسفى وأدبى نابعة من موجات الشك فى القيم والموجات المتوارثة والأزمات المستمرة فى الفكر الإنسانى تحت ضغط القلق البشرى نتيجة للحروب العالمية الوحشية فإنها دعت المفكرين إلى الشك فى قيمة التراث السياسى والعقلى والأخلاقى.

جملة القول أن الناقد الكبير محمد مندور قد عرض فى دراسات نقدية مستفيضة لكثير من المسرحيات العالمية المترجمة وسوف نقابل أفكاره بالنسق السياسى الأوروبى بمفاهيمه وفروضه المستنبطة فى ثنايا المسرحيات الآتية:

أولاً: تعتبر مسرحية (المومس الفاضلة) للكاتب الفرنسى جان بول سارتر امتحانا عسيرا للمستوى الثقافى السائد فى الوسط المسرحى المصرى فى فترة محمد مندور، ذلك أن هذه المسرحية لا يمكن أن يتضح هدفها إلا لمن درس فلسفة «جان بول سارتر» الوجودية التى تعتبر أحد أهم مرتكزاته وانعكاس ذلك على صور الأدب المختلفة لسارتر من القصة إلى المسرحية إلى المقال الثقافى.

ثانيًا: ما قدمته الفرقة القومية المصرية من مسرحية أخرى للكاتب الأيرلندى الكبير «برنارد شو» وهى مسرحية (رجل الأقدار) وتحليل مندور لها بأن ما أصابها هى الأخرى هو ما أصاب المسرحية الأولى من غموض فى الهدف حيث يحتاج فكر «برنارد شو» على وجه الخصوص إلى إلمام بإيمانه الفكرى وطريقة استخدامه لهذا المنهج .

ثالثًا: مسرحية (الذباب) التى شاهدها جمهور القاهرة على المسرح القومى خلال فترة مندور والمسرحية هى الأخرى تعتبر من أهم مسرحيات «جان بول سارتر» وتبرز دوره الكبير فى الحياة السياسية المعاصرة نظريا وعمليا وسلوكه العملى فى الحياة.

رابعًا: مسرحية (ماكبث) التى عرضت على المسرح القومى المصرى وتقديمها فى صورة مأساة عادية لشكسبير والتى ترجمها شاعر القطرين المرحوم خليل مطران ورؤى شكسبير فى المعتقدات الشعبية التى كانت متفشية فى القرون الوسطى والتى ظلت مستمرة حتى عصر النهضة الذى ظهر فيه «شكسير». ونترك محمد مندور يحلل ذلك قائلاً: (فى رأيى أن المخرج الحديث الذى يعيش فى القرن العشرين يحسن به أن يفضل الرأى الذى يجعله يتمشى مع المستوى الثقافى للإنسان المعاصر.. وفيما عدا «حمدى غيث» فى دور «ماكبث» لم أحس بحيوية نابضة فى هذه المسرحية).

خامسًا: مسرحية (تاجر البندقية) فى المسرح القومى أو (اليهودى شيلوك) الذى أقرض أنطونيو أحد تجار البندقية المسيحيين ثلاثة آلاف أوقية بشرط أن يقتطع من لحمه رطلا إذا عجز عن رد الدين فى ثلاثة أشهر، (وما تبرزه هذه المسرحية من صورة شيلوك الأخلاقية أمام صورة أنطونيو الخيرة المشرقة وأنه مما يقنع كل إنسان بأنه من غير المعقول أن يطمع شيلوك فى معادلة عادلة خيرة من المسيحيين بدعوى أنه إنسان مثلهم). وعموما فإن المسرحية فى عرضها السابق توضح مغزاها.

سادسًا: مسرحية (دونجوان) والتى عرضها المسرح القومى لموليير وترجمها الأستاذ «إدوارد ميخائيل» التى لا تثير الضحك بقدر ما تثير الأسى والتأمل والاشمئزاز من وجهة نظر مندور، فضلاً عن أنها مسرحية أقرب إلى الدراما الثورية منها إلى الكوميديا الأخلاقية، وأن النبلاء والكهنوت كانا مع الملكية - الهدف الأول للثورة الفرنسية الكبرى.

سابعًا: ما قدمته الفرقة القومية لأديب روسيا الأكبر «ليو تولستوى» الذى ترجمها إلى العربية الأستاذ أحمد حسين بعنوان (سلطان الظلام)، ومن الثابت ما أقرته الإنسانية لتولستوى بالنبوغ فى فن القصة عن فن المسرح رغم قوة مسرحية سلطان الظلام، وما أطلق عليها محمد مندور (ميلودراما) إلا لكثرة ما فيها من مآسى وآثام يخرج منها المشاهد مختنق الأنفاس مليئا بالذعر والاشمئزاز. والمسرحية فى مجملها تقوم على الفلسفة المسيحية السياسية التى تؤمن بتتابع الآثام منذ الخطيئة الأولى والتألم الروحى، ويضيف مندور قائلاً: وأكاد أقول الجسدى أيضًا.

ثامنًا: هناك أيضًا مسرحية (بيوت الأرامل) لبرنارد شو والتى تجسد وتبرز فكرة من الأفكار الاشتراكية التى كان يدين بها شو كأحد أنصار رواد جماعة الفابيين. ويظهر شو كيف أن المال يفسد الضمائر ويحطم الكرامة، وتبرز المسرحية أفكار شو ومذهبه السياسى والاجتماعى وهو المذهب الاشتراكى الإصلاحى الذى آمن به شو.

وعمومًا، حاولت جهدى فى ورقة البحث هذه أن أطرح الإسقاطات السياسية فى بعض المسرحيات العالمية المترجمة التى قدمها محمد مندور فى سفره القيم عن المسرح العالمى، وأن أحلل مادتها... والنتائج التى يمكن استخلاصها من هذا الناقد الكبير محمد مندور تتبلور فى الآتى:

أولاً: يؤمن محمد مندور إيمانًا راسخا بإرادة الحياة وإرادة القوة وقدرة الإنسان على أن يهزم المجهول نفسه، وأن مرض اليأس هو أعظم أمراض العصر ومع ذلك لا يمكن أن يستعصى على الشفاء وتاريخ الإنسانية كلها يشهد بذلك.

ثانيًا: يستنبط محمد مندور من المسرحيات العالمية التى تم ترجمتها إلى العربية قوة المسرح المصرى فى فترته، وذكاء وعمق ونجاح الممثلين المصريين ومهارتهم فى تجسيد شخصيات هذه المسرحيات ونجاحهم الرائع فى أدوارهم والإسقاطات السياسية فى هذه المسرحيات وبلورتها على الشعب المصرى كشعب متطلع إلى مركز الصدارة.

ثالثًا: ما يراه مندور من أن كثيرًا من المسرحيات العالمية المترجمة وخاصة مسرحيات «تشيكوف» التى تخطت مراحل التجربة وأصبحت من التراث العالمى فى كافة مسارح العالم وخروجه بإحساس واضح بأن الهدف من ولعه بالمسرح ليس المتعة الدرامية بقدر المتعة الثقافية.

رابعًا: دور المسرح القومى فى هذه الفترة فى إثراء الحياة الفنية المصرية من ثنايا كتابات عمالقة مؤلفى المسرح العالمى، ومنهم «آرثر ميلر» الذى كان توجهه اجتماعيا سياسيا نفسيا أخلاقيا، وخاصة عندما استشرت المكارثية فى الولايات المتحدة، وأخذت تقذف تهمة الشيوعية على كل كاتب يبدى أقل اهتمام بالطبقات الشعبية أو ينتقد إجرام الرأسمالية.

خامسًا: ما تركه «آرثر ميلر» من بصمات بيضاء على محمد مندور فى مسرحيتين وبالإضافة إلى قراءته لثلاث مسرحيات أخرى لنفس المؤلف من الكشف عن حقائق النفس البشرية وسلوكها وتوجهاتها، ثم الصراع العاتى الذى شغل آرثر ميلر دائمًا بين القانون الوضعى والقانون الأخلاقى عندما يتعارض القانونان على نحو ما هو حاصل فى بلاد رأسمالية أنانية قاسية كأمريكا، وهو ما أثر فى محمد مندور تأثيرًا كبيرًا ويمكن تلمسه كظاهرة فى الفترة المعاصرة.


 

ملامح من جهود محمد مندور فى النقد المسرحى

---------

محمد يونس عبد العال

كان محمد مندور واحدًا ممن أثروا الساحة الأدبية بجهودهم النقدية المتميزة التى كانت سندا قويا للنهضة المسرحية الحديثة، ولا جدال فى أنه أدى دورا رياديا مؤصّلا أثر تأثيرا بالغا فى جيله وفى الأجيال التالية، فقد تابع الإبداعات المسرحية التى سبقته والتى عاصرته بالتحليل الموضوعى الهادف، وكان النقد المسرحى قبل أن يتصدى له مندور سطحيا ساذجا فى معظمه، لا يتجاوز حدود الثناء والتقريظ، وأغراض الدعاية والإعلان، ولم يكن النقد الأدبى عامة يعنى العناية الكبيرة إلا بالشعر وما ينبغى لتجديده وتطويره وإحياء قديمه، أما المسرح وغيره من الفنون المستخدمة فلم تحظ إلا بالقليل من الاهتمام.

ومما أهّله لهذا الدور الريادى الخلاق أنه كان متمكنا من ثقافته العربية، مجيدا للغتين الإنجليزية والفرنسية، رحب الأفق محبّا للمناقشة والحوار، مهتما بالقضايا الثقافية والفكرية العامة، مدافعا عن الحرية السياسية والعدالة الاجتماعية، ذا طاقات نقدية هائلة، وجدت متنفّسا بعد أن أبعد عن العمل فى السياسة فيما شارك به فى نشاطات اللجان المسرحية الرسمية وفيما ألقاه من محاضرات على طلبة معهد الفنون المسرحية أو على طلبة قسم الدراسات الأدبية واللغوية بمعهد الدراسات العربية العالية، التابع لجامعة الدول العربية، وكان يرى أن «النقد الحقيقى فن خالص، ولذلك لابد للناقد من أن يكون صادقا، لأن النقد خلق مكمّل للإنتاج الفنى».

وكتب كثيرا من البحوث والدراسات، منها ما كان مقدمات لبعض المسرحيات العالمية ومنها ما كان مقالات نشرت فى الصحف والمجلات الأدبية، وقد ضم كتابه «فى المسرح العالمى» خمسة وثلاثين بحثا من هذه البحوث، فيها دلالة على اتساع ثقافته وحسن تذوقه وحرصه على تتبع مسار الحركة المسرحية المصرية والعالمية، وثقته فى أنه قادر على التوجيه والتنبيه إلى النماذج الجديرة بأن تعرض على الجمهور، وإيمانه بأن الفن المسرحى لابد من أن تصاحبه حركة نقدية واعية، لأن غيابها يؤدى إلى التخبط فى متاهات العجز.

أما مؤلفاته، فمنها: مسرحيات شوقى مسرحيات عزيز أباظة المسرح النثرى (الحلقة الأولى) - المسرح النثرى (الحلقة الثانية، عن مسرح توفيق الحكيم) إلخ.

وقد أثار فى هذه المؤلفات العديد من القضايا التى شغلت المسرحيين ومازالت تشغلهم إلى اليوم، واهتم ببيان التطورات التى طرأت على فن المسرح منذ ظهوره عند رواده من اليونان القدماء حتى انتهى إلينا فى عصرنا، ورجّح أن هذا الفن عرفته مصر الفرعونية وأن ما وصل إلينا من النقوش على آثارها يعزّز هذا الترجيح، وأكد مرارا أن العرب إنما عرفوا الأدب التمثيلى حديثا بعد اتصالهم بأوروبا، وليس ثمة صلة بينه وبين فن المقامات أو غيره من الفنون الأدبية العربية أو من المشاهد الدينية لدى طوائف من المسلمين، وكذلك لم يكن تطويرا لخيال الظل أو الأراجوز أو لغيرهما من الفنون الشعبية القديمة، ولم يعرف العرب القدماء المسرح ولا حاولوه، وقد تحدث مندور عن أسباب ذلك، وفى الوقت نفسه لم يغفل من سبقه إلى الكتابة فى هذه المسألة، فذكر مفصّلا ما أورده إدوارد حنين فى العدد ) 32( من مجلة المشرق ووافقه فى بعض ما ذهب إليه واعترض على بعضه الآخر.

وشغلته مشكلة اللغة التى يؤدى بها الحوار المسرحى، ورأى أننا " لا ندخل فى تراثنا الأدبى الذى تتثقف به أجيالنا المتتابعة من نصوص إلا ما استقامت صياغته اللغوية وفقا لقواعد الفصحى، ولذلك  كل ما هو عامى أو ركيك اللغة لا يزال مجتمعنا يرفض أن يعتبره جزءا من تراثنا الأدبى حتى ولو كانت تلك المسرحيات العامية متينة التأليف من الناحية الفنية البحتة "، وقال أيضا: «ما أظن أنه سيأتى يوم تدرس فيه مسرحيات مارون النقاش أو أحمد أبو خليل القبانى أو غيرهما من كتاب المسرحيات الشعرية الغنائية فى المعاهد والجامعات كجزء من تراثنا الأدبى الذى تنشأ عليه الأجيال، وإنما يمكن دراسة هذه المسرحيات كوثائق للتاريخ»، ومن المسلم به أن هناك مسرحيات يرفضها المجتمع ويستحيل أن يكتب لها البقاء، لأنها ضعيفة ألفت فى سرعة خاطفة لتشبع نهم الفرق التجارية، أما التى بذل فيها مؤلفوها الجهد والوقت فهى المسرحيات الفنية الجديرة بأن يهتم بها النقاد.

وما أكثر القضايا التى ناقشها فى مؤلفاته، منها على سبيل المثال حديثه عن الفارق الجوهرى بين طبيعة التاريخ وطبيعة الأدب، ومنها حديثه عن مدى صلاحية الشعر للأدب المسرحى، ومنها أيضا مناقشته لدعوة توفيق الحكيم إلى كتابة مسرحيات للقراءة فحسب، خلص فيها إلى القول بأن الحكيم لم يقصد قط إلى إهمال الناحية التمثيلية عند تأليف مسرحياته، وإنما ساقه كبرياء الفنان فى فترة من فترات حياته إلى المناداة بفكرة المسرحية التى تكتب للقراءة فقط.

وتحدث عن بدايات المسرح العربى الحديث فى الشام، واعتمد فى ذلك على بعض المصادر الوثيقة مثل كتاب «أرزة لبنان» الذى ألفه نقولا نقاش ونشره فى بيروت سنة 1869 وتحدث فيه عن أخيه مارون التاجر الجوال رائد هذا الفن فى البلاد العربية وهو الذى جلبه من أوروبا، ورأى مندور أن فن المسرح بالرغم من ظهوره فى العالم العربى منذ سنة 1848 لم يخلق أدبا تمثيليا على نحو ما نشاهد فى الآداب الغربية إلا ابتداء من الربع الثانى من القرن العشرين، ومع ذلك يمكن ملاحظة بعض المقومات الأساسية لفن المسرح لدى أحمد أبو خليل القبانى، وبعض الجهود التى قام بها غيره من الرواد الأوائل، مثل: يعقوب صنوع وسليم النقاش ويوسف خياط وسليمان القرداحى وإسكندر فرح وغيرهم، وكان الشاميون روادا بما ترجموا وعربوا وألفوا وأنشأوا من الفرق والمسارح، وقد تطلب منهم ذلك شجاعة فى مواجهة المتعنتين الذى يرون الفن المسرحى عبثا لا يستحق الاحترام، وعند حديث مندور عن التمثيل فى مصر استعان بمقال لمحمد تيمور نشره فى مجلة السفور سنة 1918 م.

ورأى أن من الأسباب التى أدت إلى تأخر ظهور الأدب التمثيلى لدى  العرب حديثا: غلبة الطابع الغنائى على فن التمثيل فى بلادنا منذ نشأته، وبطش السلطات الحاكمة، واحتياج التأليف المسرحى إلى تفرغ واحتراف لم يتوافرا للأدباء إلا نادرا ،ولذلك لجأوا إلى الترجمة والتعريب وفوائدهما لا تنكر، ولكنهم لجأوا أيضا إلى التمصير والاقتباس مع ما فيهما من المسخ والتشويه، والملحوظ أن النقاد لم يحفلوا بالمسرحيات التى ألفت قبل ظهور أحمد شوقى وتوفيق الحكيم وذلك لأنها لم تكن أهلا لأن تخضع لمقاييس النقد ولم تكن تقنع القارئ بأنه أمام أعمال جادة، ولكن مندور يرى أن هذه الفترة لم تخل من مسرحيات تستحق التأمل، ومن رواد غلبت عليهم الاتجاهات التاريخية أو الأسطورية،منهم: إبراهيم  رمزى وله مسرحيتان، هما: «المعتمد بن عباد» كتبها فى صدر شبابه سنة 1892، و «أبطال المنصورة» سنة 1915، وفيها ظهرت حاسته المسرحية الدقيقة التى لم تترك التفصيلات للمخرج، وأمكن وصفها بأنها: «من أروع ما كتب فى هذا الفن فى أدبنا العربى المعاصر، بل لعلها تسمو إلى مستوى الأدب الفنى العالمى الرفيع، وكل ذلك فى أسلوب درامى مركز نابض بالحركة ومولد لها وبعيد كل البعد عن أسلوب الخطابة أو أسلوب الجدل اللذين لا يتفقان قط مع الأسلوب المسرحى»، ووازن مندور بين هذه المسرحية ومسرحية «السلطان صلاح الدين ومملكة أورشليم» لفرح أنطون التى ظهرت سنة 1914 مفضلا مسرحية إبراهيم رمزى لمتانة أسلوبها وغزارة تركيزها، وكان محمد تيمور يفضل «السلطان صلاح الدين» ليسر أساليبها وبساطتها، وكان فرح أنطون أيضا من الرواد، له مسرحية ذات هدف اجتماعى جاد، عنوانها: «مصر الجديدة ومصر القديمة»، ولكنها مفتقرة إلى الوحدة، إذ تألفت من أربع روايات، وكتبت أجزاء منها بالعامية وأخرى بالفصحى وثالثة بلغة بين الاثنين، سماها مؤلفها الفصحى المخففة أو العامية المشرفة، وغلب عليها طابع الوعظ والإرشاد، ولم يكن لشخصياتها أبعاد محددة، ومن الرواد: أنطون يزبك الذى اشتهر بالميلودراما الاجتماعية، ومن مسرحياته: «عاصفة فى بيت» و «الذبائح»، استعمل فيها لغة عامية جزلة ذات مستوى فكرى رفيع، أما محمد تيمور فقد وصفه مندور بأنه من كبار المجاهدين فى سبيل التأليف المسرحى،وله:«العصفور فى القفص» و «عبد الستار أفندى» و «الهاوية» و «العشرة الطيبة».

وخطا توفيق الحكيم ومحمود تيمور فى التأليف المسرحى خطوات جديدة خرجت به عن النطاق المحلى ودنت به من النطاق العالمى، وفى كتاب «مسرح توفيق الحكيم» حديث عن نظرته منذ بدايات حياته إلى رسالة المسرح، وهى نظرة المستجيب لأحداث الوطن المحلية وقضاياه الكبرى، وقد تنوعت فنون الحكيم المسرحية، فمنها الجدى والفكاهى، ومنها النفسى والاجتماعى والسياسى والذهنى، وفى مجموعتيه «مسرح المجتمع» و «المسرح المنوع» نيف وأربعون مسرحية تناولت جوانب شتى من حياة الإنسان أو المواطن على أساس أنه فرد وأنه عضو فى المجتمع، وكثيرا ما اختلطت فى هذه المسرحيات العناصر النفسية بالعناصر الاجتماعية، وقد أطلق على هذا النوع «مسرح الحياة».

أما المسرح الذهنى أو التجريدى الذى يجرى الصراع فيه داخل الذهن البشرى فكان الحكيم يعتز به ويرى فيه أصالته وميدان ابتكاره، وهو اتجاه فى التأليف المسرحى ظهر فى الآداب العالمية فى القرن التاسع عشر، ومن مسرحيات الحكيم الذهنية: «أهل الكهف» و «بيجماليون» و «شهرزاد» و «سليمان الحكيم» و «أوديب الملك» و «إيزيس»، وقد عرض مندور لتحليل هذه المسرحيات وفضل الكلام عن المسرح الذهنى.

وأما ما سُمِّى بالمسرح الهادف فهو اتجاه جديد ظهر فى مسرحياته بعد سنة 1952 وله مضمون إنسانى صاعد يواكب ركب الإنسانية المتطور دائما إلى الأمام، ولذا كان قريب الصلة بالجمهور وبعامة الشعب مع محافظته على الأصول الفنية، ومنه مسرحيات: «الأيدى الناعمة» و «الصفقة» و «أشواك السلام».

ويعد كتاب «مسرحيات شوقى» من أهم ما كتب فى النقد المسرحى، قال مندور فى نهايته: «ونختتم هذا الحديث السريع عن شوقى ومسرحياته بالاعتذار إلى روح هذا الشاعر العظيم وقيثارته الخالدة مرددين قول الناقد الفرنسى الشهير بوالو: ما أسهل النقد! وما أشقّ الفن!»، ومما عرض له الكتاب بالدراسة: العناصر الشرقية والغربية فى مسرحه، ومدى تأثره بالكلاسيكية الفرنسية، وخروجه عن نطاق التقيد بتيار خاص أو مذهب معين، وجمعه بين المذاهب الأدبية المختلفة، واستمداده من التاريخ فى مآسيه الست، ومن الحياة فى ملهاته الوحيدة «الست هدى»، وبعد أن انتهى مندور من الكلام عن الخصائص العامة لمسرح شوقى عرض لمسرحياته بالنقد والتحليل، الواحدة بعد الأخرى، وهى: على بك الكبير ومصرع كليوباترا وقمبيز ومجنون ليلى وعنترة وأميرة الأندلس والست هدى، فتحدث عن مزايا كل منها وعما قد اعتراها من عيوب وخلل من مثل الاسترسال فى القصائد الغنائية المعطلة لسير الحوار والمؤدية إلى بطء الحركة المسرحية، ولكنه كان أحيانا يلتمس الأعذار لشوقى، كقوله بعد نقده لمسرحية «مصرع كليوباترا» وما وجهه إليها من مثالب: «وما نظن من العدل أن نطالب رائدا كشوقى بأن يصل إلى ما وصل إليه شكسبير وأترابه».

وسار عزيز أباظة على النهج الذى اختطه أحمد شوقى من قبل فى مسرحياته التاريخية والأسطورية، وأطال مندور تحليل مسرحيته «قيس ولبنى» ووجه إليها هجوما قاسيا فذكر أنها لم تصدر عن فهم واضح محدد للفن الدرامى وإن نبضت مقطوعاتها الغنائية بالعاطفة الحارة الصادقة، وبخاصة فى المواقف التى تتصل بتجربة الشاعر الشخصية، ثم تتبع مندور سائر مسرحيات أباظة بالتحليل الواحدة بعد الأخرى وهى: «العباسة» و «الناصر» و «شجرة الدر» و «غروب الأندلس» و «شهريار» التى اشترك فى تأليفها مع عبد الله البشير، و «أوراق الخريف» وكان قاسيا فى نقده حين قال فى خاتمة كتابه «نود أن لو عاد شاعرنا إلى مجال الشعر الغنائى لكى يترك المسرح للناثرين، أو على  الأقل، لبعضهم ممن يفهمون حقيقة الفن المسرحى ويتابعون تطوره العالمى، ويستفيدون من هذا التطور».

وبعد،

فقد بدأ مندور نشاطه الأدبى مبكرا فى مجلتى الثقافة والرسالة، وله دراسات فى الشعر المهجرى، وكتب عن الشخصيات الأدبية التى أعجب بها فى مؤلفه: «نماذج بشرية»، ورأس تحرير جريدة «صوت الأمة» ثم جريدة «الوفد المصرى» وكان له مؤلفاته فى النقد القديم والنقد الحديث، كما كان ناقدا له مكانته ودوره فى الأدب العربى الحديث فقد أصل وأرسى كثيرا من القواعد اهتدى بها الدارسون بعده، ولا سيما فى النقد المسرحى.


 

بين محمد مندور ومحمود شاكر

---------

محمود على مكى

هذه الورقة تتناول مساجلة بين الدكتور محمد مندور والكاتب المعروف محمود شاكر، وقد سميتها مساجلة لا معركة لأن الحوار دار فيها بين الأديبين الناقدين كان متسمًا بالاحترام المتبادل وإن كان ذلك لم يحل بينه وبين الحدة التى تميز بها أسلوب محمود شاكر فى الحوار.

وتتطرق الدراسة إلى العلاقات التى ربطت بين الرجلين منذ مطلع شبابيهما حينما التحقا بالجامعة المصرية وكان كلاهما تلميذًا للدكتور طه حسين، غير أن طريقيهما اختلفا بعد ذلك، إذ إن محمود شاكر بعد خلافه مع أستاذه انتهى به الأمر إلى قطع مسيرته الجامعية بل وترك وطنه، وأما مندور فظل وفيا لطه حسين مما جعله يزكيه لبعثة إلى باريس استمرت على مدى تسع سنوات، فلم يعد إلى مصر إلا بعد نشوب الحرب العالمية الثانية سنة 1939.

وتجددت العلاقات بين محمود شاكر ومحمد مندور حينما تجاورا فى الكتابة لمجلة الرسالة، وعلى صفحاتها دار حوار مسألة لغوية قام فيها شاكر بتصحيح تعبير ورد فى بعض مقالات مندور.

وعلى الرغم من أن شاعر العربية الكبير أبا الطيب المتنبى كان من بين الاهتمامات المشتركة بين الأديبين فإنه لم يدر بينهما سجال حوله ومن المعروف أن المتنبى كان موضوع الكتاب الذى نشره محمود شاكر سنة 1937، وأفرد له عددا خاصا من مجلة المقتطف وكان أيضًا موضوع كتاب طه حسين «مع المتنبى» الذى نشر فى نفس السنة، وقد اهتم بدراسته محمد مندور فى كتابه عن مناهج النقد العربى الذى أفرد فيه فصلين لجهود النقاد العرب حول المتنبى. ونعرف أن معركة كبيرة دارت بين محمود شاكر وطه حسين حول هذا الموضوع، غير أن محمد مندور لم يتدخل فى هذا الجدل وإن كان قد اهتم بعرض آراء طه حسين وأحمد أمين وعبد الوهاب عزام متجاهلاً كتاب محمود شاكر على الرغم من أنه أثبته فى قائمة مراجعة.

وأما الجدل الساخن الذى دار بين الرجلين فقد كان بمناسبة انتقاد مندور لمحمود شاكر لحملته الضارية التى شنها على لويس عوض بسبب الدراسة التى نشرها فى جريدة الأهرام حول أبى العلاء المعرى ورسالة الغفران. وبحثنا يفصل هذا الجدل الذى تطرق من هذا الموضوع إلى جوانب أكثر شمولاً متعلقة بتراثنا العربى وبهويتنا وبالبيئة الثقافية التى نعيش فيها فى الستينيات حينما كان لويس عوض يشرف على الصفحة الثقافية فى جريدة الأهرام.

محمد مندور بين الشعر الخالص والشعر المهموس

---------

مدحت الجيار

تابع الدكتور مندور تاريخ الشعر العربى منذ عصوره الأولى وانتهى إلى المعاصرين له. وكان يلحظ فيما بين الرصيد التاريخى والرصد الفنى تداخل المذاهب وزرع المذاهب الجديدة مع النص العربى. ولذلك ركز فى بعض كتاباته على الشعر المهموس فى مقابل الشعر الزاعق. وهو شعر المرحلة العربية الجديدة لدى الرومانتيك ولدى شعراء التفعيلة. لاحظ ما بين الهمس واستخدام الأصوات البعيد عن القرع أو بعيدًا عما يسمى الصوت الزاعق المباشر.

كذلك لاحظ مندور الشعر الخالص وقربه من فكرة الشعر المهموس فى كونه ينبع من استخدام الإيقاع والمجاز بصرف النظر عن تواشجات القضايا والمعجم وغير ذلك من عناصر بنية القصيدة. ولقد كانت هذه العلاقة مثار كتابات وخلافات فى الصحف والمجلات المصرية رصدها مندور فى بعض مقالاته وكتبه كما رصدها يحيى حقى فى بعض كتاباته. والخلاصة أن الشاعر وهو يناجى نفسه أو يخاطب المجتمع يسعى للوصول إلى صيغة شعرية مناسبة لأدائه الإيقاعى ولتلقى الآخرين.

ومن هنا فإن العودة للإشارة إلى الشعر المهموس أو الشعر الخالص عند محمد مندور تعنى العودة إلى القضية نفسها فى زمن آخر عملت فيه تقاليد الحداثة وما بعد الحداثة عملها فى كتابة النص الشعرى والنثرى فى آن واحد قارب فيما بينهما. وهنا تكمن حداثة القضية عندما تطرح من جديد لتعرض على «موضة جديدة» هى قصيدة النثر.


 

قراءة فى رسائل محمد مندور إلى طه حسين

---------

نبيل فرج

تحمل الرسائل التى كتبها محمد مندور (1907 – 1965) إلى طه حسين (1889 – 1973) الكثير من الأفكار الأدبية والإنسانية التى نطالعها فى كتابته النقدية، وفى مقدمات الكتب التى ترجمها، وأهمها كتاب جورج ديهاميل «دفاع عن الأدب».

كما تكشف هذه الرسائل المخطوطة، المودعة فى دار الكتب والوثائق القومية، جوانب مهمة لايعرفها أحد، من حياة مندور وأخلاقه، قبل وفى أثناء البعثة الفرنسية التى دامت تسع سنين، من 1930 - 1939، وبعدها.

ولعل أول ما يسترعى النظر فى هذه الرسائل إيمان مندور الراسخ بالعلم والمعرفة، وفهمه الدقيق للإيداع وللعلاقة الوطيدة بين القديم والجديد، وإدراكه المبكر لوحدة الثقافة الإنسانية، فى غير تعارض مع الخصوصيات القومية، أو تناقض بين المحلية والعالمية، لأن الأصالة هى القوة الحقيقية للثقافة الوطنية الديمقراطية التى ارتبط اسم محمد مندور بها.

وهذه بعض المبادئ النقدية التى تناثرت فى هذه الرسائل، وتمثل خلفية كتاباته النقدية فى مراحلها المختلفة، من النقد الجمالى أو الفنى إلى النقد الموضوعى فالنقد الأيديولوجى، ويلخصها مندور فى أن الإبداع صياغة فنية لتجربة بشرية، ويعنى بهذا أن الإبداع صورة أدبية معبرة عن مضمون إنسانى، أو عن دلالة اجتماعية، تجلت فى نقده، وفى تذوقه للنصوص على الأسس النظرية العامة، وفى منهجه فى النقد الأيديولوجى.

يرى مندور فى أولى هذه الرسائل أن الأدب مقوم أساسى من مقومات الحياة الخاصة والعامة، وأن تجديد هذا الأدب وتحديثه تجديد وتحديث لهذه الحياة.

ومثل هذا التجديد والتحديث يتوقف على ارتباط تحرير المواطن اجتماعيا بتحرير الوطن سياسيا والتحرير السياسى للأوطان رهن بتحريرها الاقتصادى.

وفى رسالة كتبت فى 1935 يذكر مندور أن معرفة الجزء لا تجدى إلا بمعرفة الكل .فلا سبيل إلى فهم نصوص المسرح اليونانى القديم، وهى هنا بمثابة الجزء، إلا بمعرفة الحضارة اليونانية القديمة، فى أدبها وفنونها وتاريخها وفلسفتها وخطبها واجتماعها..

وهذا هو الباب الضيق أو الطريق الصعب، الذى يحيط بالأبعاد كلها فى أوسع حالاتها، لأن ما عداه لا يعدو أن يكون سكونًا دون غض من قيمة التفاصيل التى تخصب العقل والنفس.

وعلى هذا النحو لا يمكن فهم فقه اللغة بغير فهم الأنساق الفكرية التى تحكمها فى ضوء المنهج التاريخى؟ وهى عنده أهم فى فهم النصوص من تراكيب هذه اللغة ومنحاها فى النظم وتصاريفها وروابطها التى تحمل مضمون العمل الأدبى.

وتخضع كل لغة لعاملين أساسيين: العامل الأول، عامل الثبات. والعامل الثانى، عامل التطور.

وبفضل العامل الثانى يجرى النحت والاشتقاق والصوت والنقل والتوسع، وإلا فقدت هذه اللغة القدرة على البقاء والحياة.

وللبساطة فى الفكر والتعبير من الشاعرية والتأثير ما يفوق ما فى الفكر العميق والتعبير المعقد.

وتشمل الأبعاد والمصادر المعرفية فى مفهوم مندور الرحلات والأسفار البعيدة حين تكون من أجل غاية علمية، يشاهد فيها الباحث مواطن الأحداث الماضية على الطبيعة، فى البلاد التى جرت فيها مثل رحلة مندور إلى إيطاليا واليونان التى يتحدث عنها فى رسائله، مخالفًا بذلك لوائح البعثة، لكى يطلع على الأماكن التى دارت فيها أحداث التاريخ  وملاحم هوميروس وتراث المسرح اليونانى، ويقرأ وقائعها ومعاركها على الأحجار التى تبقت على أرضها، لتكون زاده الخاص فى دراساته الأدبية والمقارنة، التى لا يستغنى عنها باحث فى الآداب القديمة.

ويصف مندور فى حديثه الشهير مع فؤاد دواره الذى نشر فى كتابه «عشرة أدباء يتحدثون» (كتاب الهلال يوليه 1925) آثار هذه الرحلة قائلاً إن الفائدة التى حصلها منها كانت أفضل من قراءة ألف كتاب.

ويبدو أن محمد مندور كان يرد بهذه العبارة، بلسان عف على من كادوا له فى البعثة، وأنزلوا به العقاب، لأنه خرج على اللوائح، قائلين بتهكم أن زيارة الأحجار اللاتينية لا فائدة منها فى معرفه حضارتها البائدة.

أما مندور فكان على يقين من أن بمقدور هذه الأحجار البائسة التى سافر لمشاهدتها بفضول لا يشبع أن تبوح وتحكى بأكثر مما تبوح وتحكى النصوص المكتوبة، وأن الخرائب والأطلال الدارسة تعيد السطور الزائلة من كتب التاريخ وتزيد هذا التاريخ وضوحًا وفهمًا.

ولكنه قى نفس الوقت كان يجد فى المراجع والقواميس ومطولات الكتب والوثائق ما لا غنى عنه للدارسين الذين يسعون للثقافة الموسوعية لزيادة مادة معلوماتهم، والإحاطة بكل ما يتصل بها.

ورغم ما حصله مندور من ثقافة عميقة، فليس فى الرسائل أى نوع من التعالى أو التشدق بالثقافة.

ومن جهة أخرى يرى مندور فى قوة التفكير أو غلبة العقلانية ما يضعف الإرادة وينتقص منها. ويرى فى مقاومة الطبيعة والفطرة والتلقائية ضررًا أكثر مما فيه من نفع.

ويفرق مندور فى أكثر من موضع من هذه الرسائل بين العلم والفن. العلم يكشف الحقائق والقوانين والعلل، بينما جوهر الفن الخلق والتوليد والإضافة.

وهناك فرق كبير بين العلم ومظاهر أو تطبيقات هذا العلم، فى سياقه التاريخى والاجتماعى.

ويمثل هذا الفرق بين الأدب والتأملات الفلسفية، وإن جمع بين العلم والأدب نزعة التجديد التى لا تقف عند حد، والعقلانية التى ترفض كل غيبية أو ذيلية.

وإلى جانب ما تعكس الرسائل من صفات نفسية لمندور، أبرزها تمسكه بالحق والعدل والقيم السليمة التى جعلت منه ناقدًا نزيهًا لا يشك أحد فى صدوق رؤياه ـ فإن الرسائل تعبر بوضوح عن محبة التلميذ الغامرة للأستاذ، وثقته البالغة فيه، وتوقيره الشديد له كأحد قيادات الصفوة المثقفة التى لايناظرها أحد، وقبل هذا كله وبعده اعترافه بجميل طه حسين عليه.

ومن الواضح أن هذا الجميل الذى أسداه طه حسين إلى محمد مندور، منذ التحاقه بالجامعة وسفره فى البعثة، ظل يطوق عنق مندور سنوات طويلة، لا يستطيع أن يفصح عنه، إلى أن أصدر كتابه «فى الميزان الجديد»، وأهداه إلى طه حسين.

وعلى كثرة ما يذكر مندور عن نفسه وعن اطلاعاته فلم يذكر قط، سوى فى هذه الرسائل، أنه وضع مسرحية كاملة فى أثناء الدراسة فى البعثة، وأنه أرسل مخطوطها إلى طه حسين.

ومثل هذه المسرحية التى كتبها مندور لو وجدت ولم تفقد مع غيرها من مخطوطاته، فإنها يمكن أن تلقى الضوء على مندور الناقد الذى شغل فن المسرح نسبة عالية من نقده. هذا النقد الذى يهتم بالأصول الكلاسيكية التى وضعها أرسطو، فيما يعرف بالوحدات الثلاث، اهتمامه بالأعمال المسرحية المتطورة فى مختلف العصور.

ولا شك أن هذه المسرحية يمكن أن تطلعنا على السمات أو الأصول المثالية فى نقد مندور، وعلى أواصره بالتاريخ والمجتمع وحضارة العصر.

وعن حضارة الشرق والغرب يذكر مندور أن بلوانا القومية ترجع إلى تأخرنا المادى، أى إلى غياب العلم الذى يقوم على أسس أدبية، ويقصد به الخيال، لأنه لا نهضة مادية حقيقية بلا آداب إنسانية متراكمة، تنتفى فيها النعرات القومية.

ووسائل الإدراك فى هذه الآداب لا تختلف عن وسائلها فى العلم، كلاهما يشارك فى تكوين الفرد وتقدم المجتمع، سواء بتربية المنحى الرياضى فى العلم، أو بتنمية البصيرة النافذة فى الآداب.

بل إن المنحى الرياضى لا يتحقق ما لم تكن هناك بصيرة نافدة.

ويدلل مندور على صحة رؤيته بأسماء عدد من الرياضيين الفلاسفة، مثل ديكارت وسبينوزا، كان اتجاههم الأدبى وخطرات روحهم أساس تجاربهم العلمية أو الرياضية.

وبالطبع لا يستطيع المطلع على هذه الرسائل أن يتجاهل الأخطاء النحوية والإملائية الكثيرة التى ترد فيها بصورة واضحة، كما ترد فى معظم الكتب التى ترجمها مندور، بما فيها كتاب جورج ديهاميل «دفاع عن الأدب».

ولا تفسير لهذه الأخطاء إلا أن مندور كان فى أثناء هذه البعثة التى كتبت فيها هذه الرسائل وترجم فى إثرها عددًا من الكتب، بعيدًا عن لغته وآدابها، غارقًا فى الآداب الأجنبية وتراثها، وهو ما تداركه بعد ذلك بقليل، حين أعد رسالته للدكتوراه عن النقد المنهجى عند العرب فى 1944، وغاص فى التراث العربى، وأخذ يتبوأ موقعه الرفيع فى حياتنا الثقافية والأدبية، التى غدا بها مندور شيخ النقاد.

 

حقوق الطبع محفوظة للمجلس الأعلى للثقافة

للاستفسار والاستعلام يمكنك المراسلة على البريد الإلكترونى

© 2002-3003 Scc.gov.eg. All rights reserved. Best viewed in MS Internet Explorer in 1024 x 768 resolution!